فالحادُّ فيهم: يحيى بنُ سعيد،وابنُ معين،وأبو حاتم،وابنُ خِراش،وغيرُهم .
والمعتدلُ فيهم: أحمد بن حنبل،والبخاري،وأبو زُرْعَة .
والمتساهلُ كالترمذيِّ،والحاكم،والدارقطنيِّ في بعض الأوقات . وقد يكون نَفَسُ الإمام ـ فيما وافَقَ مذهبَه،أو في حالِ شيخِه ـ ألطفَ منه فيما كان بخلاف ذلك . والعِصمةُ للأنبياءِ والصديقين وحُكَّام القِسْط .
ولكنَّ هذا الدِّين مؤيَّد محفوظ من الله تعالى،لم يَجتمع علماؤه على ضلالة،لا عَمْدًا ولا خطأ،فلا يَجتمِعُ اثنانِ على توثيقِ ضعيف،ولا على تضعيفِ ثقة،وإنما يقعُ اختلافُهم في مراتبِ القُوَّةِ أو مراتبِ الضعف . والحَاكمُ منهم يَتكلَّمُ بحسبِ اجتهادِهِ وقُوَّةِ مَعارِفِه،فإن قُدِّرَ خطؤه في نقده،فله أجرٌ واحد،والله الموفق"."
وهذا يقوله الإمام الذهبي،ويُظهر افتقاره إلى معرفة اصطلاحات الأئمة في ألفاظهم،وبهذا يُعلم مدى الحاجة إلى خدمة قضايا ومراتب وألفاظ الجرح والتعديل،فلم تُخدم بما فيه الكفاية،وكذلك قرّر الشيخ عبدالرحمن المعلّمي،في مقدمة (الفوائد المجموعة) ،حيث تكلّم فيها عن أن كثيرًا من معاني ألفاظ الجرح والتعديل المقررة في كتب المصطلح،تخالف معانيها الحقيقية .
الثاني: التنبيه إلى مراتب العلماء تشددًا وتساهلًا واعتدالًا في الجرح والتعديل:
تكمن أهمية معرفة المتشدد من المتساهل من أئمة الجرح والتعديل فيما إذا تعارض قول متعنت في الجرح متشدد مع من هو معتدل في حكمه على الرجال فيقدم حكم المعتدل على المتعنت لتشدده ولايقبل جرحه إلا مفسرا،وكذلك فيما لو تعارض قول متساهل في الرجال مع من هو معتدل في حكمه فيقدم حكم المعتدل على المتساهل...كما أنك إذا رأيت المتعنت في الجرح وثق أحد الرواة فتمسك بتوثيقه .
ولنضرب مثالا على ذلك بـ أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي،المتوفى سنة 277هـ
قال الذهبي في ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل (172) عن الرواة (قسم منهم متعنت في الجرح متثبت في التعديل يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث ويلين بذلك حديثه فهذا إذا وثق شخصًا فعضَّ على قوله بناجذيك وتمسك بتوثيقه وإذا ضعف رجلًا فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه فإن وافقه ولم يوثق ذاك أحد من الحذاق فهو ضعيف وإن وثقه أحد فهذا الذي قالوا فيه لايقبل تجريحه إلا مفسرًا) .
وفي السير (13/260) ( إِذَا وَثَّقَ أَبُو حَاتِمٍ رَجُلًا فَتَمَسَّكْ بِقَولِهِ،فَإِنَّهُ لاَ يُوَثِّقُ إِلاَّ رَجُلًا صَحِيْحَ الحَدِيْثِ،وَإِذَا لَيَّنَ رَجُلًا،أَوْ قَالَ فِيْهِ: لاَ يُحْتَجُّ بِهِ،فَتَوَقَّفْ حَتَّى تَرَى مَا قَالَ غَيْرُهُ فِيْهِ،فَإِنْ وَثَّقَهُ أَحَدٌ،فَلاَ تَبْنِ عَلَى تَجْرِيْحِ أَبِي حَاتِمٍ،فَإِنَّهُ مُتَعَنِّتٌ فِي الرِّجَالِ،قَدْ قَالَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ رِجَالِ(الصِّحَاحِ) : لَيْسَ بِحُجَّةٍ،لَيْسَ بِقَوِيٍّ،أَوْ نَحْو ذَلِكَ.)
وهذا يفيد طالب الحديث فائدة كبيرة،وإليك الآن بعض الأمثلة على المتشددين والمعتدلين والمتساهلين من أهل العلم باحديث:
* أمثلةعلى المتشددين:
1-يحيى بن سعيد القطان أبو سعيد البصري المتوفى سنة 198هـ قال الذهبي في السير (9/ 183) ( كَانَ يَحْيَى بنُ سَعِيْدٍ مُتَعَنِّتًا فِي نَقدِ الرِّجَالِ،فَإِذَا رَأَيْتَهُ قَدْ وَثَّقَ شَيْخًا،فَاعْتمِدْ عَلَيْهِ،أَمَّا إِذَا لَيَّنَ أَحَدًا،فَتَأَنَّ فِي أَمرِهِ حَتَّى تَرَى قَوْلَ غَيْرِهِ فِيْهِ،فَقَدْ لَيَّنَ مِثْلَ إِسْرَائِيْلَ وَهَمَّامٍ،وَجَمَاعَةٍ احْتَجَّ بِهِمُ الشَّيْخَانِ) .
وفي السير (7/194) ( هَذَا مِنْ تَعَنُّتِ يَحْيَى فِي الرِّجَالِ،وَلَهُ اجْتِهَادُه،فَلَقَدْ كَانَ حُجَّةً فِي نَقْدِ الرُّوَاةِ.) .
وفي الميزان (2/171) (يحيى متعنت جدًا في الرجال) ،وانظر الموقظة (83)