فهرس الكتاب

الصفحة 455 من 701

وفي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم - (ج 2 / ص 100) قال: وسألت أبي عنه فقال: محله الصدق يكتب حديثه ولا يحتج به... اهـ

الخامس: قضية كلام الأقران في بعضهم البعض:

تكلم عن هذه القضية العلماء قديمًا وحديثًا،لكنَّ المُلاحِظَ لكلام العلماء قديمًا مع كلامهم حديثًا،يُلاحظ بَوْنًا من ناحية زيادة تسليط الأضواء في العصر الحاضر على هذه القضية،وكأن علماء الجرح والتعديل كانوا يتكلمون بأهوائهم،حتى كأنه أيّ قرين لهم يجرحونه من باب الحسد،فيتصورُ طالب العلم أنه لا يُقبل كلام القرين في القرين بتاتًا،مع أن العكس هو الصواب ؛ لأن الأقران هم أعرف الناس ببعض،وأئمة الجرح والتعديل كانوا أورع وأتقى لله -عز وجل- من أن يكون هذا الغالب من شأنهم،فإذا وجدنا مثالًا أو مثالين خالفت هذا المنطق،فلا نجعلها الصفة الغالبة .

قال السبكي [1] :""أول ما نقدمه أنه ينبغى لك أيها المسترشد أن تسلك سبيل الأدب مع الأئمة الماضين وأن لا تنظر إلى كلام بعضهم في بعض إلا إذا أتى ببرهان واضح، ثم إن قدرت على التأويل وتحسين الظن فدونك، وإلا فاضرب صفحا عما جرى بينهم فإنك لم تخلق لهذا، فاشتغل بما يعنيك ودع مالا يعنيك ولا يزال طالب العلم عندى نبيلا حتى يخوض فيما جرى بين السلف الماضين ويقضى لبعضهم على بعض ، فإياك ثم إياك أن تصغي إلى ما اتفق بين أبي حنيفة وسفيان الثوري أو بين مالك وابن أبي ذئب أو بين أحمد بن صالح والنسائي أو بين أحمد ابن حنبل والحارث المحاسبي وهلم جرا إلى زمان الشيخ عز الدين بن عبد السلام والشيخ تقىي الدين بن الصلاح، فإنك إن اشتغلت بذلك خشيت عليك الهلاك، فالقوم أئمة أعلام ولأقوالهم محامل ربما لم يفهم بعضها ، فليس لنا إلا الترضي عنهم والسكوت عما جرى بينهم، كما يفعل فيما جرى بين الصحابة رضى الله عنهم""

أما قاعدة"كلام الأقران في بعضهم لا يقبل"،فهي قاعدة صحيحة،لكن بقيّد تجاهله وتعامى عنه أولئك،حتى لكأنه لا عبرة به،وهذا القيد هو أن نقول: كلام القرين في القرين لا يقبل إذا كان المُتَكلّمُ فيه ثابت العدالة بكلام عامة أهل العلم،أي لا يقبل كلام الأقران فيمن ثبتت عدالته . مثاله: لما تكلم النسائي في أحمد بن صالح المصري،مع أن أحمد بن صالح إمامٌ في الجرح والتعديل مثل يحيى بن معين،فكلام النسائي فيه لا يقبل،خاصةً إذا عرفنا القضية التي جعلت النسائي يتكلم في أحمد بن صالح المصري،الإمام الذي أثنى عليه العلماء،ولم يجرحه إلا النسائي،فحينها تعلم أن جرح النسائي ليس في محله ولا يقبل منه .

أيضًا الكلام بسبب اختلاف المذاهب،يقال فيه مثل ما قيل في كلام الأقران . وقد ورد عن بعض العلماء أنهم جرحوا أناسًا ؛ لمجرد اختلاف المذهب،مثل الجوزجاني ففيه تحامل على من فيه تشيّع ؛ وذلك لأن الجوزجاني فيه نصب . وأيضًا كلام من فيه تشيّع على من فيه نصب،مثل ما سبق،وهذا وارد عن العلماء،لكنه ليس هو الأصل ؛ وذلك لأن غالب أئمة السنّة عقائدهم صافية سليمة،وإن استثنينا البعض القليل،وأمرٌ آخر وهو أننا عرفنا من أهل السنّة والجماعة أنهم أكثر الناس إنصافًا واعتدالًا،فهذا البخاري يروي عن عمران بن حطّان -الخارجي الداعية-،لكن لما عرف صدقه روى عنه،ويروي عن من رُمي بالقدر،ويروي عن المُرجي،وعن الشيعي،بل حتى عن الرافضي،فكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أن أكثر الناس اعتدالًا وإنصافًا هم أهل السنّة والجماعة ؛ لأنهم هم الأمة الوسط بين الإفراط والتفريط . وأما قضية أن المحدثين يتكلمون في أهل الرأي،والعكس ؛ لاختلاف المذاهب،فهذا غير صحيح . [2]

(1) - طبقات الشافعية الكبرى - (ج 2 / ص 204) والرفع والتكميل في الجرح والتعديل - (ج 1 / ص 21)

(2) - قلت: في كلامه نظر ،فقد تكلم ابن عدي في الإمام أبي حنيفة وصاحبيه كلاما في غاية الشطط !!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت