2)تقديم الجرح المبهم -غير المفسر- على التعديل: هذا هو الأصل ؛ لأن مع الجارح زيادة علم . ويتضح هذا بأنك لو قدمت قول الجارح على قول المُعدِّل،فكأنك تقول: أنا لاأكذب المُعدِّل،لكن الجارح ظهر له من أمر المُعدِّل مالا يعرفه المُعدِّل،وكلًا منهما أخبر بحسب علمه . لكن إذا قدمت قول المُعدِّل على قول الجارح،فهذا يقتضي تكذيب الجارح بأنه ليس هناك سببٌ يقتضي الجرح،ولم يصدق الجارح في جرحه،أو أقل أحواله أنه مخطئ،وهذا ليس بصحيح ؛ لأن الأصل حمل كلام العلماء على الأصوب،ومن أجل ذلك نقدّم الجرح المبهم على التعديل . ثم إنه ينبغي أن نتذكر أن كلامنا عن الجارح والمُعدِّل العارف بأسباب الجرح والتعديل،فالأصل فيه أن يجرح بسبب حقيقي .
ما سبق هو الحكم الأصلي،ونخرج عنه بقرائن،وهي كثيرة جدًا،من أمثلتها:
أ) كثرة المُعدّلين: فإذا وثقه جماعة،وضعفه واحد بجارحٍ مبهم،فنقدم قول الأكثرين،ونحمل التضعيف على أنه ليس بجارح حقيقي .
ب) معاصرة المُعدّلين،وعدم معاصرة الجارح أو الجارحين ؛ لأن المعاصر أعرف وأعلم بمن في عصره،فتعديله يُقدم على الجرح المبهم .
جـ) عِظَمُ علمِ المُعدّلين على علم الجارحين .
د) بلدية المُعدّلين: أي أن يكون من أهل بلد الراوي الذي تُكلّم فيه،فلو كان هناك راوٍ بصري،وعدّله البصريون،وجرحه عالمٌ من أهل خراسان،فيقدم من كان من أهل بلده وهم البصريون ؛ لأنهم أعرف بأهل بلدهم . وكان من آداب الرحلة عند المحدثين،أن المحدث لا يرحل حتى يستوفي ويستوعب حديث بلده،ويكون عارفًا به .
هـ) قوة عبارة المُعدّلين على عبارة الجارحين،فلو جاءت عبارة تعديلٍ كقوله:"ثقة حجة"أمام عبارة جرح كقوله"أحسبه لينًا"،فعبارة الجرح تضعف عن عبارة التعديل التي هي الأقوى،فلا شك أننا نقدم العبارة القوية على الضعيفة .
و) هناك ألفاظ قد يتبادر إلى الذهن أنها جرح،وهي في الحقيقة تعديل،مثل ما قال شعبة عن أحد الرواة:"إنه شيطان"،فظاهر العبارة أنها ذم،مع ذلك فقد أراد شعبة أنه باقعة في الحفظ،وشيء عجيب فيه،حتى لكأنه ليس بإنسي في قوة حافظته،ومن المعروف أن من عادة العرب أنهم ينسبون الأشياء المستغربة إلى الجن . كذا ما قاله ابن وارة عن عبدالرحمن بن مهدي،لما رأى قوة حفظه،قال:"ماذا خرج من ظهر مهدي،كأنه جني".
وهناك عبارات على الضد مما سبق،فقد يدل ظاهرها على التعديل،والصواب: أنها جرحٌ،كعبارة:"هو على يديْ عدل"،فهمها العراقي على أنها تعديل،ومعناها: أنه على يدِيْ عدلٌ،وتعقبه الحافظ ابن حجر وبيّن أنها عبارة جرح،وضبطها:"هو على يدَي عدلٍ"،و"عدل"هذا رجل كان من حُجاب أحد الحكام الظلمة في اليمن،وكان كلما أراد أن يقتل إنسانًا،قال: يا عدل -ينادي حاجبه- تعال خذ هذا واقتله . حتى صار ذلك مثلًا عند العرب،فإذا قيل: فلان على يدي عدل،يعني: أنه هالك،فيقصد بها إذا أطلقت على الراوي أنه هالك . [1]
(1) - قال السخاوي: وأفاد شيخنا أيضًا أن شيخه الشارح كان يقول في قول أبي حاتم. هو على يدي عدل. أنها من ألفاظ التوثيق،وكان ينطق بها هكذا بكسر الدال الأولى،بحيث تكون اللفظة للواحد ويرفع اللام وتنوينها. قال شيخنا: كنت أظن ذلك كذلك إلى أن ظهر لي أنها عند أبي حاتم من ألفاظ التجريح،وذلك أن ابنه قال في ترجمة جبارة بن المغلس سمعت أبي يقول: هو ضعيف الحديث،ثم قال: سألت أبي عنه فقال: هو على يدي عدل،ثم حكى أقوال الحفاظ فيه بالتضعيف،ولم تنقل عن أحد فيه توثيقًا ومع ذلك فما فهمت معناها،ولا أتجه لي ضبطها،ثم بان لي أنها كناية عن الهالك وهو تضعيف شديد. اهـ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 363) وجرح الرواة وتعديلهم - (ج 11 / ص 27) ومنهج النقد في علوم الحديث - دار الفكر - الرقمية - (ج 1 / ص 115) وتاريخ الإسلام للإمام الذهبي - (ج 15 / ص 454)