فهرس الكتاب

الصفحة 458 من 701

ز) اختلاف اجتهاد الناقد: فقد تأتي عبارة لأحد النقاد يُضعِّفُ فيها الراوي،وآخرون يوثقونه،وتأتي عبارة أخرى لنفس الناقد يوثق فيها ذلك الراوي في رواية أخرى عنه،فهذه قرينة تجعلني أُقدّم التوثيق على الجرح .

ح) عداوة المُعدِّل للمُعدّل له،سواءً في المذهب أو في غيره،وهذه لا نجعلها قاعدة مطردة،ولكنها قد تكون قرينة من القرائن،فإذا علمت أن هناك عداوة قد تجعلني أقدم التعديل على الجرح .

كما أنني قد أردُّ التعديل -كما في الجرح- إذا كان صادرًا من إنسانٍ غالٍ في محبة إنسان آخر . وهذه القرينة ليست دائمًا،بل قد يُعملُ بها على حسب الحال .

الثامن: من مسائل الجرح والتعديل المهمة،مسألة المجهول:

لأن المجهول ليس مُعدّلًا ولا مجروحًا،فهو حالة وسط يُجهل حالها .

وقد قسّم العلماء المجهول إلى أقسام،أشهرها تقسيم ابن الصلاح إلى ثلاثة أقسام [1] :

1-المستور: وهو من روى عنه عدلان،أو روى عنه إمام حافظ -نصّ على هذه الاضافة ابن رجب،في شرح العلل- . فالمستور عُلمت عدالته الظاهرة،وجُهلت عدالته الباطنة .

2-مجهول الحال: مَنْ جُهلت عدالته الظاهرة والباطنة،لكن عُرفت عينه . وهو من لم يرو عنه إلا رجل واحد ليس من النقاد .

3-مجهول العين: مَنْ جُهلت عدالته الظاهرة والباطنة،ولم تعرف عينه،وهو كالمبهم .

أما حكم مستور الحال: فمن ناحية العدالة يُكتفى بالعدالة الظاهرة،مع الرواة الذين تعذرت الخبرة الباطنة بأحوالهم ؛ لتقادم العهد بهم.وأيضًا نكتفي بالعدالة الظاهرة للرواة المتأخرين،وهم رواة النسخ،أما سوى ذلك فلا يكتفي العلماء بالعدالة الظاهرة.

أما مجهول الحال والعين: فنتوقف عن قبول حديثهم،ومآل هذا التوقف عدم العمل بالحديث،لذلك تجد العلماء يقولون: حديث ضعيف،فيه فلان وهو مجهول،مع أن الأدق أن يقال: حديثه تُوُقِّفَ فيه ؛ لأن فيه فلانًا وهو مجهول،لكن لما كان التوقف مآله عدم العمل،أصبح هو والتضعيف متقاربان،فأطلق العلماء الضعف عليه تجوّزًا،وهو في محله،وليس خطأ تضعيفه .

لكن الأمر الدقيق: ما هي مرتبة ضعف حديث المجهول ؟ هل هو في مرتبة الاعتبار به،ويتقوى حديثه بالمتابعات والشواهد،أم لا يتقوى بنفسه،ولا يُقوّي غيره ؟ فهل هو شديد الضعف أو خفيف الضعف ؟

فالجواب: أننا لا نستطيع أن نحكم بحكم عام على جميع المجهولين حالًا أو عينًا،بل نقول هؤلاء حكمهم يختصُّ بالحديث الذي يروونه،فإذا رووا حديثًا شديد النكارة،فهذا لا يتقوَّى أبدًا،كأن تظهر فيه علامات الوضع وغيرها،ومجهول الحال أخفُّ حالًا من مجهول العين .

تنبيه: حكمُ الإمام على راوٍ بالجهالة لا يعتبر تعارضًا مع حكم إمامٍ آخر بالتوثيق لنفس الراوي ؛ وذلك لأن الإمام الذي وصفه بالجهالة وصفه بذلك لأنه لا يعرفه وهو مجهول عنده،أمَّا الإمام الآخر فإنه يعرفه ويحكم عليه. فهذه المسألة لا تعتبر من مسائل تعارض الجرح والتعديل،وللأسف أنّا نجد من يُقدّم الحكم بالجهالة على التعديل،وهذا خطأ ؛ لأن الحكم بالجهالة هو إعلام من الناقد بعدم علمه بهذا الراوي،أما الحكم بالتوثيق فإخبارٌ من الإمام أنه يعرف هذا الراوي وأنه ثقة . فلا تعارض بين الحكم بالجهالة والحكم بالتعديل أو بالتجريح،ولا يُشَكُ في تقديم حكم المُعدّل أو المُجرّح على مَنْ حكم بالجهالة .

(1) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 21) والباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 11) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 7) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 247) ونزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 26) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 517) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 246) وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 114) وشرح اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 256)

ــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت