فَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا الْمُتَقَدِّمُونَ فِي مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ:"إرْسَالُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عِنْدَنَا حَسَنٌ"عَلَى وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ الشَّيْخُ أَبُو إسْحَاقَ فِي كِتَابِهِ اللُّمَعِ , وَحَكَاهُمَا أَيْضًا الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابَيْهِ كِتَابِ"الْفَقِيهُ وَالْمُتَفَقِّهُ""وَالْكِفَايَةُ"وَحَكَاهُمَا جَمَاعَاتٌ آخَرُونَ , أَحَدُهُمَا: مَعْنَاهُ أَنَّهَا حُجَّةٌ عِنْدَهُ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِن الْمَرَاسِيلِ . قَالُوا: لِأَنَّهَا فُتِّشَتْ فَوُجِدَتْ مُسْنَدَةً , وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ عِنْدَهُ , بَلْ هِيَ كَغَيْرِهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ , وَقَالُوا: وَإِنَّمَا رَجَّحَ الشَّافِعِيُّ بِمُرْسَلِهِ , وَالتَّرْجِيحُ بِالْمُرْسَلِ جَائِزٌ . وَقَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِ ( الْفَقِيهُ وَالْمُتَفَقِّهُ ) وَالصَّوَابُ: الْوَجْهُ الثَّانِي , وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَكَذَا قَالَ فِي الْكِفَايَةِ . الْوَجْهُ الثَّانِي: هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا مِن الْوَجْهَيْنِ ; لِأَنَّ فِي مَرَاسِيلِ سَعِيدٍ مَا لَمْ يُوجَدْ مُسْنَدًا بِحَالٍ مِن وَجْهٍ يَصِحُّ . قَالَ: وَقَدْ جَعَلَ الشَّافِعِيُّ لِمَرَاسِيلِ كِبَارِ التَّابِعِينَ مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ , كَمَا اسْتَحْسَنَ مُرْسَلَ سَعِيدٍ , هَذَا كَلَامُ الْخَطِيبِ . وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ نَصَّ الشَّافِعِيِّ كَمَا قَدَّمْتُهُ ثُمَّ قَالَ: فَالشَّافِعِيُّ , يَقْبَلُ مَرَاسِيلَ كِبَارِ التَّابِعِينَ إذَا انْضَمَّ إلَيْهَا مَا يُؤَكِّدُهَا , فَإِنْ لَمْ يَنْضَمَّ لَمْ يَقْبَلْهَا , سَوَاءٌ كَانَ مُرْسَلَ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَوْ غَيْرِهِ . قَالَ: وَقَدْ ذَكَرْنَا مَرَاسِيلَ لِابْنِ الْمُسَيِّبِ لَمْ يَقْبَلْهَا الشَّافِعِيُّ حِينَ لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهَا مَا يُؤَكِّدُهَا , وَمَرَاسِيلُ لِغَيْرِهِ قَالَ بِهَا حَيْثُ انْضَمَّ إلَيْهَا مَا يُؤَكِّدُهَا , قَالَ: وَزِيَادَةُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ فِي هَذَا عَلَى غَيْرِهِ أَنَّهُ أَصَحُّ التَّابِعِينَ إرْسَالًا فِيمَا زَعَمَ الْحُفَّاظُ , فَهَذَا كَلَامُ الْبَيْهَقِيّ وَالْخَطِيبِ , وَهُمَا إمَامَانِ حَافِظَانِ فَقِيهَانِ شَافِعِيَّانِ , مُضْطَلِعَانِ مِن الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْأُصُولِ , وَالْخِبْرَةِ التَّامَّةِ بِنُصُوصِ الشَّافِعِيِّ . وَمَعَانِي كَلَامِهِ , وَمَحَلُّهُمَا مِن التَّحْقِيقِ وَالْإِتْقَانِ , وَالنِّهَايَةِ فِي الْعِرْفَانِ , بِالْغَايَةِ الْقُصْوَى , وَالدَّرَجَةِ الْعُلْيَا , وَأَمَّا قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ الْقَفَّالِ الْمَرْوَزِيِّ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ ( شَرْحُ التَّلْخِيصِ ) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الرَّهْنِ الصَّغِيرِ: مُرْسَلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عِنْدَنَا حُجَّةٌ , فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَيْهَقِيّ وَالْخَطِيبِ وَالْمُحَقِّقِينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .