قُلْتُ: وَلَا يَصِحُّ تَعَلُّقُ مَنْ قَالَ: إنَّ مُرْسَلَ سَعِيدٍ حُجَّةٌ بِقَوْلِهِ: إرْسَالُهُ حَسَنٌ ; لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ رحمه الله لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَيْهِ وَحْدَهُ , بَلْ اعْتَمَدَهُ لَمَّا انْضَمَّ إلَيْهِ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَمَنْ حَضَرَهُ وَانْتَهَى إلَيْهِ قَوْلُهُ مِن الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم مَعَ مَا انْضَمَّ إلَيْهِ مِن قَوْلِ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ , وَهُمْ أَرْبَعَةٌ مِن فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ , وَقَدْ نَقَلَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُ هَذَا الْحُكْمَ عَنْ تَمَامِ السَّبْعَةِ , وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ . فَهَذَا عَاضِدٌ ثَانٍ لِلْمُرْسَلِ , فَلَا يَلْزَمُهُ مِن هَذَا الِاحْتِجَاجُ بِمُرْسَلِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ إذَا لَمْ يَعْتَضِدْ , فَإِنْ قِيلَ: ذَكَرْتُمْ أَنَّ الْمُرْسَلَ إذَا أُسْنِدَ مِن جِهَةٍ أُخْرَى اُحْتُجَّ بِهِ , وَهَذَا الْقَوْلُ فِيهِ تَسَاهُلٌ ; لِأَنَّهُ إذَا أُسْنِدَ عَمِلْنَا بِالْمُسْنَدِ , فَلَا فَائِدَةَ حِينَئِذٍ فِي الْمُرْسَلِ وَلَا عَمَلَ بِهِ . فَالْجَوَابُ: أَنَّ بِالْمُسْنَدِ يَتَبَيَّنُ صِحَّةُ الْمُرْسَلِ , وَأَنَّهُ مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ , فَيَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ حَتَّى لَوْ عَارَضَهُمَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مِن طَرِيقٍ وَاحِدٍ , وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ قَدَّمْنَاهُمَا عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ , هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ مُرْسَلِ الصَّحَابِيِّ""
والمُعضد قد يكون متابعة من رواية نفس الصحابي،وقد يكون شاهدًا من رواية صحابي آخر،على أن يكون المعنى منطبقًا بين الروايتين . وقد يكون فتوى عامة أهل العلم،أو العمل بمقتضى هذا الحديث،فهذه مُعضدات،ولا يلزم أن يكون كل مُعضد في كل مرة يقوي الحديث،ولكن قد يقوي الحديث في بعض الأحيان،من أجل ذلك نجد أن الإمام الشافعي في كتابه (الرسالة) -وهو الذي لا يقبل المرسل- قال مرة في حديث (لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) :"ووَجدْنا أهلَ الفُتْيَا ومَنْ حَفِظْنَا عنه مِنْ أهل العلم بالمَغَازِي مِنْ قُريش وغيرهمْ: لا يختلفون في أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال عامَ الفَتْحِ:"لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ وَلاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ"ويَأْثُرُونه عَنْ مَنْ حَفظوا عنه مِمَّنْ لَقُوا من أهل العلم بالمغازي،فكان هذا نَقْلَ عامَّةٍ عنْ عامَّة وكان أقوى في بعض الأمْرِ من نقْلِ واحد عن واحد وكذلك وجدنا أهل العلم عليه مُجتمعين". [1]
واحتج به الشافعي،ونحن هنا لسنا بصدد مناقشة الشافعي هل هذا الحديث له أسانيد صحيحة أو لا ؟.
فالصحيح أن له أسانيد صحيحة،كما بيّن الشيخ: أحمد شاكر في تعليقه على كتاب (الرسالة) ،لكننا نناقش مذهب الشافعي في هذه القضية،ونبيّن لك أن من منهج العلماء أنهم يقوّون الحديث الضعيف إذا كان عامة أهل العلم يعملون به،ونصّ على هذه القضية الشافعي في كلامه على المرسل،ونصّ عليه ابن عبدالبر وغيره.
(1) - وقال أيضا:"فاستدللنا بما وصفتُ من نقْلِ عامَّة أهل المغازي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن:"لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ"على أنَّ المواريث ناسخة للوصية للوالدين والزوجة مع الخبر المُنْقَطع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإجماعِ العامَّة على القول به"الرسالة للشافعي - (ج 1 / ص 52و53)
قلت: لكن الحديث موصول ومتواتر ،ولكن لم تصل الطرق الموصولة إليه