فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 701

والمعنى الأخير هذا للتخريج: هو الذي شاع واشتهر بين المحدثين،وكثر استعمال اللفظ فيه،ولاسيما في القرون المتأخرة،بعد أن بدأ العلماء بتخريج الأحاديث المبثوثة في بطون بعض الكتب لحاجة الناس إلى ذلك [1]

والمشهور في استعمال أهل هذا العصر: الكلامُ على الأحاديث ببيان من روى الحديث بإسناده،من أصحاب الكتب أو بعضهم،مع بيان مرتبة ذلك الحديث من حيث القوة والضعف،والتنبيه على ما ورد من اختلافات بين أسانيد روايات ذلك الحديث ومتونها،بزيادة أو نقص أو غير ذلك،وبيان مقتضى تلك الاختلافات من الناحية النقدية .

وكلُّ ذلك لا يتيسر - كما هو معلوم - إلا بعد النظر في متابعات الحديث وشواهده،أي النظر في القدرِ المشتركِ بين روايات الحديث الواحد وطرقه،بعد جمعها من أصولها،ثم النظر فيما خَرَجَ عن ذلك القدر مما يقع في بعض الطرق من مخالفات وزيادات في الأسانيد والمتون ؛ ثم الحكم - بالقبول أو الرد - على ذلك القدر المشترك،وعلى كل مخالفة أو زيادة،واقعة في سند أو في متن،بمقتضى النظر العلمي في مجموع تلك الطرق .

وبعض التخاريج تكادُ تقتصر على بعض هذه المقاصد،فتقتصر مثلًا على بيان درجة الحديث أي حكمه من حيث القوة والضعف،وتهمل عزوه ؛ وبعضها يعكس ؛ ومعروف أن مقصد التخريج هو معرفة رتبة الحديث،وأما معرفة من رواه من أصحاب المؤلفات فهو - على نفعه وقيام الحاجة إليه - ليس مطلوبًا لذاته فهو من وسائل هذا العلم لا من مقاصده .

وكلُّ ذلك يكون على سبيل التقليد والمتابعة أو الاجتهاد والتحقيق،ويكون على سبيل الاختصار والإيجاز أو البسط والإطالة .

وقد كان التخريج بهذا المعنى،أي الثاني،معروفًا منذ زمن بعيد،وكان في أوائل تدوينه يدوَّن في ثنايا بعض الكتب الفقهية وكتب شروح الأحاديث وغيرها ككثير من كتب البيهقي وابن عبد البر و (المحلَّى) لابن حزم،و (التحقيق في أحاديث الخلاف) لابن الجوزي،و (المجموع) للنووي،و (الأذكار) له،وكثير من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلامذته .

ثم ظهر بعدئذ إفرادُ التخريج بالتصنيف،فظهرت مؤلفاتِ التخريج المتخصصةُ المتوسعةُ المكتوبةُ على نحوِ طريقةِ كتبِ التخريجِ المعروفةِ في هذا العصر فقد كانت نشأةُ ذلك على أيدي المتأخرين .

وإنَّ منْ أقدمِ مَن ألفَ في هذا الباب على هذه الطريقة الأخيرة الرافعيَّ،تبعه ابنُ الصلاح،ثم النوويُّ ؛ ثم ابن عبد الهادي ثم العراقي والزيلعي ثم ابن حجر ثم السخاوي والسيوطي،ثم كثير من اشتغل بالحديث ممن جاء بعدهم،ثم اشتهر فنُّ التخريج بعد ذلك ؛ واليوم يعدُّ هذا الفن من أبرز العلوم الشرعية التي يُعنى بها كثير من العلماء والباحثين .

ومن أشهر كتب هذا الباب (نصب الراية بتخريج أحاديث الهداية) للزيلعي و (المغني عن حمل الأسفار في الأسفار بتخريج ما في إحياء علوم الدين من الآثار) للعراقي و (التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير) لابن حجر،و (إرواء الغليل بتخريج أحاديث منار السبيل) للألباني.

وقد يظنُّ من لا خبرة له بتاريخ علم الحديث أن علم التخريج علمٌ عصريٌّ،ابتكره أهل هذا العصر الأخير ؛ ولكن هذا الظن لا يصح،وقد تقدم ذكر ما يُبطله.

فلما كان تمييز صحيح الحديث من سقيمه هو المقصد الأول لعلم النقد الحديثي،صار علمُ التخريج ونقدُ الأحاديث علمًا أساسيًا بين علوم الحديث،بدأ في أقدم عصور الرواية ؛ ولكن كانت هيئته غير هيئته اليوم،والزمان لا يترك علمًا على حاله.

وكان عند المتقدمينَ أنواعٌ من كتب الحديث تُشبه كتب التخريج في الوقت الحاضر،وتقوم مقامها،في الجملة ؛ وأهمُّ هذه الأنواعِ وأولاها بالذكر ما يلي:

1-الأجزاء الحديثية الموضوعية المسندة المعللة .

(1) - أصول التخريج للدكتور الطحان: 10.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت