فهرس الكتاب
ويدلُّ على اعتبارِ التمييزِ معَ الرؤيةِ ما قالَهُ شيخُنا الحافظُ أبو سعيدٍ بنُ العلائي في كتابِ"المراسيل"في ترجمةِ عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ بنِ نوفلٍ: حنَّكهُ النبيُّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ودعا لهُ [1] . ولا صحبةَ لهُ بلْ ولا رؤيةَ أيضًا ، وحديثهُ مرسلٌ قطعًا .
والقول الثاني: أنَّهُ مَنْ طالتْ صحبتُهُ لهُ ، وكثرتْ مجالستُهُ على طريقِ التَّبَعِ لهُ والأخذِ عنهُ .
حكاهُ أبو المُظَفَّرِ السَّمْعَانيُّ ، عنِ الأصوليينَ ، وقالَ: إنَّ اسمَ الصحابيِّ يقعُ على ذلكَ مِنْ حيثُ اللغةُ والظاهرُ ، قال: وأصحابُ الحديثِ يطلِقونَ اسمَ الصحبةِ على كلِّ مَنْ روى عنهُ حديثًا ، أو كلمةً ، ويتوسَّعُونَ حتَّى يَعدُّونَ مَنْ رآهُ رؤيةً مِنَ الصحابةِ ، قال: وهذا لِشَرَفِ منزلةِ النبيِّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، أَعطوا كلَّ مَنْ رآهُ حكمَ الصحبةِ .
هكذا حكاهُ أبو المُظَفَّرِ السَّمْعَانيُّ عن الأصوليينَ، وهوَ قولٌ لبعضهمْ ، حكاهُ الآمديُّ وابنُ الحاجبِ ، وغيرُهما . وبه جزمَ ابنُ الصبَّاغِ في"العدَّةِ"فقالَ: الصحابيُّ هوَ الذي لقِيَ النبيَّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، وأقامَ عندَهُ ، واتَّبَعَهُ ، فأمَّا مَنْ وَفِدَ عليهِ وانصرفَ عنهُ منْ غيرِ مصاحبةٍ ، ومتابعةٍ ، فلا ينصرفُ إليهِ هذا الاسمُ . وقالَ القاضي أبو بكرِ بنُ الطيبِ الباقلانيُّ: لا خلافَ بينَ أهلِ اللغةِ أنَّ الصحابيَّ مشتقٌ منَ الصحبةِ ، وأنَّهُ ليسَ بمشتقٍ مِن قدرٍ منها مخصوصٍ ، بلْ هوَ جارٍ على كلِّ مَنْ صَحِبَ غيرَهُ قليلًا كانَ ، أو كثيرًا ، يقالُ: صحِبْتُ فلانًا حولًا ودهرًا وسنةً وشهرًا ويومًا وساعةً ، قالَ: وذلكَ يوجبُ في حكمِ اللغةِ إجراءها على مَنْ صحِبَ النبيَّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ساعةً مِن نهارٍ . هذا هوَ الأصلُ في اشتقاقِ الاسمِ . ومعَ ذلكَ فقد تقررَ للأئمةِ عرفٌ في أنَّهُمْ لا يستعملونَ هذهِ التسميةَ إلاَّ فيمَنْ كَثُرَتْ صحبتُهُ ، واتَّصَلَ لقاؤُهُ . ولا يُجْرُونَ ذلكَ على مَنْ لقِيَ المرءَ ساعةً ،
ومشى معهُ خُطًى وسمعَ منهُ حديثًا . فوجبَ لذلكَ ألاَّ يجريَ هذا الاسمُ في عرفِ الاستعمالِ إلا على مَنْ هذهِ حالهُ .
وقالَ الآمديُّ: الأشبهُ أنَّ الصحابيَّ مَنْ رآهُ وحكاهُ عنْ أحمدَ بنِ حنبلٍ ، وأكثرِ أصحابنا ، واختارهُ ابنُ الحاجبِ أيضًا ؛ لأنَّ الصحبةَ تعمُّ القليلَ والكثيرَ ، نَعَم .. في كلامِ أبي زُرْعَةَ الرازيِّ ، وأبي داودَ ما يقتضي: أنَّ الصحبةَ أخصُّ منَ الرؤيةِ ، فإنهما قالا في طارقِ بنِ شهابٍ: لهُ رؤيةٌ ، وليستْ لهُ صحبةٌ [2] . وكذلك ما رويناه عن عاصمٍ الأحولِ قال: قدْ رأى عبدُ اللهِ بنُ سَرْجِسَ رسولَ اللهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) غيرَ أنَّهُ لم تكنْ لهُ صحبةٌ [3] ، ويدلُّ على ذلكَ أيضًا ما رواهُ محمدُ بنُ سعدٍ في"الطبقاتِ"عن عليِّ بنِ محمدٍ عن شعبةَ ، عن موسى السيلانيِّ ، قال: أتيتُ أنسَ بنَ مالكٍ ، فقلتُ: أنتَ آخرُ مَنْ بقيَ من أصحابِ رسولِ اللهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ؟ قالَ: قدْ بقيَ قومٌ مِنَ الأعرابِ ، فأمَّا مِنْ أصحابهِ فأنا آخرُ مَنْ بقيَ انتهى [4] .
(1) - انظر ترجمته في الإصابة (6173 )
(2) - وفي التقريب ( 3000 ) طارق بن شهاب بن عبد شمس البجلي الأحمسي أبو عبد الله الكوفي قال أبو داود رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يسمع منه مات سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين ع
(3) - وفي التقريب ( 3345 ) عبد الله بن سرجس بفتح المهملة وسكون الراء وكسر الجيم بعدها مهملة المزني حليف بني مخزوم صحابي سكن البصرة م 4
(4) - تهذيب الكمال للمزي (ج 3 / ص 376) والبداية والنهاية لابن كثير مدقق (ج 10 / ص 190)