قال ابنُ الصلاحِ [1] : إسنادُهُ جيِّدٌ حدَّثَ بهِ مسلمٌ بحضرةِ أبي زُرْعَةَ .
والجوابُ عن ذلكَ: أنَّهُ أرادَ إثباتَ صحبةٍ خاصةٍ ليستْ لتلكَ الأعرابِ، وكذا أرادَ أبو زُرْعَةَ وأبو داودَ نفيَ الصحبةِ الخاصةِ دونَ العامةِ .
وليسَ هو الثبتُ الذي عليهِ العملُ عندَ أهلِ الحديثِ والأصولِ .
والقولُ الثالثُ: وهوَ ما رويَ عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ أنَّهُ كانَ لا يعدُّ الصحابيَّ إلاَّ مَنْ أقامَ مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سنةً أو سنتينِ ، وغزا معهُ غَزْوةً أو غزوتينِ .
قالَ ابنُ الصلاحِ [2] :"وكأنَّ المرادَ بهذا إنْ صحَّ عنهُ راجعٌ إلى المحكيِّ عنِ الأصوليينَ ؛ ولكنْ في عبارتِهِ ضيقٌ يوجبُ ألاَّ يُعَدَّ مِنَ الصحابةِ جريرُ بنُ عبدِ اللهِ البَجَليُّ ومَنْ شارَكَهُ في فَقْدِ ظاهرِ ما اشترَطَهُ فيهم ، ممَّنْ لا نعلمُ خلافًا في عدِّهِ من الصحابةِ".
قلتُ: ولا يصحُّ هذا عن ابن المسيِّبِ . ففي الإسنادِ إليهِ محمدُ بنُ عمرَ الواقديُّ ضعيفٌ في الحديثِ .
والقولُ الرابعُ: أنَّهُ يُشترطُ مع طولِ الصحبةِ الأخذُ عنهُ .
حكاهُ الآمديُّ عن عمرِو بنِ يحيى ، فقال [3] : ذهبَ إلى أنَّ هذا الاسم إنَّما يسمى بهِ مَنْ طالتْ صحبتُهُ للنبيِّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) وأخذَ عنهُ العلمَ . وحكاهُ ابنُ الحاجبِ أيضًا قولًا ، ولم يعزهُ لعمرِو بنِ يحيى ؛ ولكنْ أبدلَ الروايةَ بالأخذِ عنهُ ، وبينهما فرقٌ .
وعمرٌو هذا الظاهِرُ أنَّهُ الجاحظُ ، فقدْ ذكرَ الشيخُ أبو إسحاقَ في"اللمع": أنّ أباهُ اسمُهُ يحيى ، وذلكَ وهمٌ ، وإنَّما هو عمرُو بنُ بحرٍ أبو عثمان الجاحظُ من أئمةِ المعتزلةِ ، قالَ فيهِ ثعلبٌ: إنَّهُ غيرُ ثقةٍ ، ولا مأمونٍ [4] ،ولم أرَ هذا القولَ لغيرِ عمرٍو هذا. وكأنَّ ابنَ الحاجبِ أخذَ هذا القولَ مِن كلامِ الآمديِّ، ولذلكَ أسقطتُهُ منَ الخلافِ في حدِّ الصحابيِّ تبعًا لابنِ الصلاحِ .
والقولُ الخامسُ: أنَّهُ مَنْ رآهُ مسلمًا بالغًا عاقلًا .
حكاهُ الواقديُّ عن أهلِ العلمِ فقالَ: رأيتُ أهلَ العلمِ يقولونَ: كلُّ مَنْ رأى رسولَ اللهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، وقدْ أدركَ الحلمَ ، فأسلمَ ، وعقلَ أمرَ الدينِ ورضيهُ فهوَ عندنا ممَّنْ صحبَ النبيَّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ولوْ ساعةً من نهارٍ ، انتهى . والتقييدُ بالبلوغِ شاذٌّ .
والقول السادس: أنَّه مَنْ أدركَ زمنَهُ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، وهو مسلمٌ ، وإنْ لم يرَهُ .
(1) - مقدمة ابن الصلاح (ج 1 / ص 64) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح (ج 2 / ص 484)
(2) - مقدمة ابن الصلاح (ج 1 / ص 64) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح (ج 2 / ص 484) والتقييد والإيضاح للحافظ العراقي (ج 1 / ص 52)
(3) - الإحكام في أصول الأحكام (ج 1 / ص 336) والتقرير والتحبير (ج 4 / ص 167) وقواطع الأدلة في الأصول / للسمعانى (ج 3 / ص 24)
(4) - وفي سير أعلام النبلاء (11/527) (149) الجَاحِظُ أَبُو عُثْمَانَ عَمْرُو بنُ بَحْرٍ العَلاَّمَةُ، المُتَبَحِّرُ، ذُوْ الفُنُوْنَ، أَبُو عُثْمَانَ عَمْرُو بنُ بَحْرِ بنِ مَحْبُوْبٍ البَصْرِيُّ، المُعْتَزِلِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ. وقال بنهاية ترجمته:قُلْتُ: كَفَانَا الجَاحِظُ المَؤُونَةَ، فَمَا رَوَى مِنَ الحَدِيْثِ إِلاَّ النَّزْرَ اليَسِيْرَ، وَلاَ هُوَ بِمُتَّهَمٍ فِي الحَدِيْثِ، بَلَى فِي النَّفْسِ مِنْ حِكَايَاتِهِ وَلَهْجَتِهِ، فَرُبَّمَا جَازَفَ، وَتَلَطُّخُهُ بِغَيْرِ بِدْعَةٍ أَمْرٌ وَاضِحٌ، وَلَكِنَّهُ أَخْبَارِيٌّ عَلاَّمَةٌ، صَاحِبُ فُنُوْنٍ وَأَدَبٍ بَاهِرٍ، وَذَكَاءٍ بَيِّنٍ - عَفَا اللهُ عَنْهُ -. وانظر تاريخ الإسلام للذهبي (ج 4 / ص 431) ت 344