إن المتأمل لوقائع غزوة بدر وماسبقها وما تلاها من أحداث ليجد أنه أمام معين لا ينضب من الفوائد القيمة والمعاني النفيسة التي ما كانت لتؤثر وتؤتي ثمارها لولا أنها كانت في ذلك الزمن ومن خلال أولئك النفر وتحت راية ذلك النبي صلى الله عليه وسلم.
لقد خرجت قريش بكل قوتها"هذه مكة ألقت إليكم فلذات كبدها"وبمعونة الشيطان نفسه {وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ} في معركة مصيرية مع خير أهل الأرض والسماء"ما تعدون أهل بدر فيكم؟ من أفضل المسلمين، قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة"فكانت بالفعل معركة فاصلة بين صفوة أهل الإيمان ورؤوس أهل الكفر فاستحقت أن يسميها الله عز وجل يوم الفرقان، فرقان بين الحق والباطل، وبين أهل الحق وأهل الباطل وإن كانوا من بني جلدة واحدة!
لقد قدر الله تعالى أن تكون أول معركة في تاريخ الأمة بين أبناء العشيرة الواحدة والقبيلة الواحدة والعائلة إعلانا عن عقيدة الولاء والبراء مع أول قطرة دم في المعركة!
إن أهمية وضوح المنهج تكمن في أنها تقتل التردد في صدر المجاهد وتجعل الرؤية أوضح أمامه فينطلق بخطوات ثابتة نحو هدفه بلا التفات ولا توقف، وإن أي غبش يعيق أو يعكر هذه الرؤية يجعل من السهل على قطاع الطريق إيقافه وتلقينه ما بجعبتهم من شبه! فيجب أن تعلم ومنذ البداية: لمن تقاتل؟ ومن تقاتل؟ ولماذا تقاتل؟
فالإجابات السليمة على هذه الأسئلة هي بمثابة درع سابغ على صدر المجاهد في أرض المعركة، وفاقد أحد هذه الأجوبة هو فقط من يلقي السلاح أو يبتعد قليلا في أحسن الأحوال حتى يفهم ماذا حدث أو أين يقف؟
جاء في السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض نفسه على قبيلة شيبان أثناء بحثه عمن يؤويه وينصر دعوته لما رفضتها قريش، فقالوا: إن هذا الأمر الذي تدعوا إليه مما تكرهه الملوك! فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله لن ينصره إلا من أحاطه من جميع جوانبه!".
فالحديث ظاهر الدلالة على أن نصرة الدين يجب أن تكون كاملة، فلا تقاتل صنفا من الأعداء وتترك آخرا كمن يقاتل الصليبيين هذه الأيام ويرفض قتال المرتدين! فالرسول صلى الله عليه وسلم رفض بيعة بني شيبان لأنهم رضوا بقتال العرب دون غيرهم!
ومن هنا نرى بوضوح أن وضوح العقيدة و المنهج و الراية يوم بدر كانت وراء ثبات الفئة المؤمنة القليلة في وجه تلك الفئة الكثيرة، فلا غرابة إذا أن يسمي الله تعالى تلك الغزوة بالفرقان ولا غرابة أن يطلع إلى أهلها اطلاعة فيقول:"اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"!.