فتكلمت باللسان الهندي طويلًا وأخذت مكنسة فبلتها بالماء ورشته منها إلى جهة عسكر المسلمين فمرض وأصبح ولا يقدر أن يرفع رأسه وضعفت قوته ضعفًا شديدًا فرحل عن القلعة لشدة المرض فحين فارقها زال ما كان به وأقبلت الصحة والعافية إليه وسار نحو غزنة.
انتهى.
عن الحارث الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"أمر الله تعالى نبيه يحيى بن زكريا عليه السلام بخمس كلمات أن يعمل بهن ويأمر بني إسرائيل بالعمل بهن"- فذكر منها -"وآمركم بذكر الله عز وجل كثيرا، فإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا في أثره فأتى حصنا حصينا فتحصن فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله عز وجل". وكما أن الدرع على صدر المجاهد تقيه من سهام العدو وطعنه فكذلك ذكر الله يقيه من سهام الشر التي يلقيها شياطين الجن والإنس سواء كانت بعين أو مس أو سحر! وما السحر الذي ألقي على مسعود بن محمود في هذه الغزوة إلا من هذه المخاطر التي لا يحفظ منها الله عز وجل والاعتصام بذكره، قال النبي صلى الله عليه وسلم"من قال بسم الله الذي لا يضره مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاثا إذا أصبح وثلاثا إذا أمسى لم يضره شيء"فإن داوم المجاهد على هذه الأذكار التي منها ما هو في الصباح ومنها ما هو في المساء وأتى بكل دعاء مع ما يناسبه في النوم والأكل ودخول الحمام والجماع وغيره كتب من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات وأورثه ذلك طمأنينة في قلبه {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} .
قال ابن الأثير رحمه الله:
في هذه السنة اجتمع ثلاث ملوك من ملوك الهند وقصدوا لهاوور وحصروها فجمع مقدم العساكر الإسلامية بتلك الديار من عنده منهم وأرسل إلى صاحبه مودود يستنجده فسير إليه العساكر.
فاتفق أن بعض أولئك الملوك فارقهم وعاد إلى طاعة مودود فرحل الملكان الآخران إلى بلادهما فسارت العساكر الإسلامية إلى أحدهما ويعرف بدوبال هرباته فانهزم منهم وصعد إلى قلعة له منيعة هو وعساكره فاحتموا بها وكانوا خمسة آلاف فارس وسبعين ألف راجل وحصرهم المسلمون وضيقوا عليهم وأكثروا القتل فيهم فطلب الهنود الأمان على تسليم
الحصن فامتنع المسلمون من إجابتهم إلى ذلك إلا بعد أن يضيفوا إليه باقي حصون ذلك الملك الذي لهم فحملهم الخوف وعدم الأقوات على إجابتهم إلى ما طلبوا وتسلموا الجميع وغنم المسلمون الأموال وأطلقوا ما في الحصون من أسرى المسلمين وكانوا نحو خمسة آلاف نفر.