قال ابن الأثير رحمه الله:
فلما رجع خالد من البطاح إلى أبي بكر واعتذر إليه قبل عذره ورضي عنه ووجهه إلى مسيلمة وأوعب معه المهاجرين والأنصار وعلى الأنصار ثابت بن قيس بن شماس وعلى المهاجرين أبو حذيفة وزيد بن الخطاب وأقام خالد بالبطاح ينتظر وصول البعث إليه.
فلما وصلوا إليه سار إلى اليمامة وبنو حنيفة يومئذٍ كثيرون كانت عدتهم أربعين ألف مقاتل وعجل شرحبيل ابن حسنة وبادر خالدًا بقتال مسيلمة فنكب فلامه خالد وأمد أبو بكر خالدًا بسليط ليكون ردءًا له لئلا يؤتى من خلفه.
وكان أبو بكر يقول: لا أستعمل أهل بدر أدعهم حتى يلقوا الله بصالح أعمالهم فإن الله يدفع بهم وبالصالحين أكثر مما ينتصر بهم.
وكان عمر يرى استعمالهم على الجند وغيره.
وكان مع مسيلمة نهارٌ الرجال بن عنفوة وكان قد هاجر إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقرأ القرآن وفقه في الدين وبعثه معلمًا لأهل اليمامة وليشغب على مسيلمة فكان أعظم فتنةً على بني حنيفة من مسيلمة شهد أن محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: إن مسيلمة قد أشرك معه فصدقوه واستجابوا له وكان مسيلمة ينتهي إلى أمره وكان يؤذن له عبد الله بن النواجة والذي يقيم له حجير بن عمير فكان حجير يقول: أشهد أن مسيلمة يزعم أنه رسول الله.
فقال له مسيلمة: أفصح حجير فليس في المجمجمة خير.
وهو أول من قالها.
وكان مما جاء به وذكر أنه وحي: (يا ضفدع بنت ضفدعين نقي ما تنقين أعلاك في الماء وأسفلك في الطين لا الشارب تمنعين ولا الماء تكدرين) .
وقال أيضًا: (والمبديات زرعًا والحاصدات حصدًا والذاريات قمحًا والطاحنات طحنًا والخابزات خبزًا والثاردات ثردًا واللاقمات لقمًا إهالة وسمنًا لقد فضلتم على أهل الوبر وما سبقكم أهل المذر ريقكم فامنعوه والمعيي فأووه والباغي فناوئوه) .
وأتته امرأة فقالت: إن نخلنا لسحيق وإن آبارنا لجزرٌ فادع الله لمائنا ونخلنا كما دعا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأهل هزمان.
فسأل نهارًا عن ذلك فذكر أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ دعا لهم وأخذ من ماء آبارهم فتمضمض منه ومجه في الآبار ففاضت ماء وأنجيت كل نخلة وأطلعت فسيلًا قصيرًا مكممًا ففعل مسيلمة ذلك فغار ماء الآبار ويبس النخل وإنما ظهر ذلك بعد مهلكه.