قال ابن الأثير رحمه الله:
وفي هذه السنة فتحت البذ مدينة بابك ودخلها المسلمون وخربوها واستباحوها وكان سبب ذلك أن الأفشين لما عزم على الدنو من البذ والرحيل من كلان روذ جعل يتقدم قليلًا قليلًا خلاف ما تقدم وكتب إليه المعتصم يأمره أن يجعل الناس نوائب يقفون على ظهور الخيل نوبًا في الليل مخافة البيات فضج الناس من التعب وقالوا: بيننا وبين العدو أربعة فراسخ ونحن نفعل أفعالًا كأن العدو بإزائها قد استحيينا من الناس أقدم بنا فإما لنا وإما علينا.
فقال: أعلم أن قولكم حق.
ولكن أمير المؤمنين أمرني بهذا.
فلم يلبث أن جاءه كتاب المعتصم يأمره أن يفعل كما كان يفعل فلم يزل كذلك أياما ثم انحدر حتى نزل روذ الروذ وتقدم حتى شارف الموضع الذي كانت به الوقعة في العام الماضي فوجد عليه كردوسًا من الخرمية فلم يحاربهم ولم يزل إلى الظهر ثم رجع إلى معسكره فمكث يومين ثم عاد في أكثر من الذين كانوا معهم ولم يقاتلهم وأقام الأفشين بروذ الروذ وأمر الكوهبانية وهم أصحاب الأخبار أن ينظروا له في رؤوس الجبال مواضع يتحصن فيها الرجالة.
فاختاروا له ثلاثة أجبل كان عليها حصون فخربت فاخذ معه الفعلة وسار نحو هذه الجبال وأخذ معه الكعك والسويق وأمر الفعلة بنقل الحجارة وسد الطريق إلى تلك الجبال حتى صارت كالحصون وأمر بحفر خندق على كل طريق وراء تلك الحجارة ولم يترك مسلكًا إلى الجبال منها إلا مسلكًا واحدا ففرغ من الذي أراد من حفر الخنادق في عشرة أيام هو والناس
فلما فرغ منها ادخل الرجالة إليها وأنفذ إليه بابك رسولًا ومعه قثاء وبطيخ وخيار ويعلمه أنه قد تعب وشقي من أكل الكعك وأننا في عيش رغد.
فقبل ذلك منه وقال: قد عرفت ما أراد أخي وأصعد الرسول فأراه ما عمل وأطاف به خنادقه كلها وقال اذهب فعرفه ما رأيت.
وكان جماعة من الخرمية يأتون إلى قرب خندق الأفشين فيصيحون فلم يترك الأفشين أحدًا يخرج إليهم فعلوا ذلك ثلاثة أيام ثم إن الأفشين كمن لهم كمينا فلما جاؤوا ثاروا عليهم فهربوا ولم يعودوا.
وعبأ الأفشين أصحابه وأمر كلًا منهم بلزوم موضعه وكان يركب والناس في مواقفهم فكان يصلي الصبح بغلس ثم يضرب ويسير زحفا وكانت علامته في المسير والوقوف ضرب الطبول لكثرة الناس ومسيرهم في الجبال والأودية على مصافهم فإذا سار ضربها وإذا وقف أمسك عن ضربها فيقف الناس جميعا ويسيرون جميعًا.