فنادى عمرو بأصحاب ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ فأجابوه فقال: تقدموا فبكم ينصر الله المسلمين فتقدموا وفيهم أبو بردة وأبو برزة وتبعهم الناس وفتح الله على المسلمين وظفروا وهزموا المشركين فارتقى الزبير بن العوام سورها فلما أحسوا فتحوا الباب لعمرو وخرجوا إليه مصالحين فقبل منهم ونزل الزبير عليهم عنوةً حتى خرج على عمرو من الباب معهم فاعتقدوا صلحًا بعد ما أشرفوا على الهلكة فأجروا ما أخذوا عنوةً مجرى الصلح فصاروا ذمة وأجروا من دخل في صلحهم من الروم والنوبة مجرى أهل مصر ومن اختار الذهاب فهو آمنٌ حتى يبلغ مأمنه.
انتهى.
قال الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعا}
قال ابن كثير: يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم وهذا يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد. انتهى كلامه
الحذر مطلوب شرعي في الجهاد على وجه الخصوص حتى لا يؤخذ المسلمون على حين غرة فكم من إمارات ودول ذهبت بسبب تفريطها في ذلك
وكم من خطط نفذها أعداؤنا بنفس طويل حتى نأمن جانبهم ويذهب حذرنا منهم ويحل مكانه الغفلة فنكون بذلك فريسة سهلة لهم.
لقد كانت الدولة الإسلامية في أقوى حالاتها عندما كانت سياستها (لست بالخب ولا الخب يخدعني) .
فحسن الظن بالعدو أو بمن لا تعرفه مزلة عظيمة قد تؤدي بصاحبها إلى التهلكة ولذلك لم يغتر الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه بما أبداه أهل مصر من لين الخطاب ولم يمهلهم في الرد أكثر من أربعة أيام حتى لا يتمكنوا من الاستعداد لقتاله أو يراسلوا من يعينهم في ذلك، فالأصل في الحرب أنها موطن حذر وترقب مستمر، وقد أمر الله عباده المجاهدين بأن يأخذوا حذرهم من العدو وهم في [الصلاة] وهي محل خشوع وسكينة فقال تعالى: {وَلْتَاتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَاخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} .
قال ابن الأثير رحمه الله:
وخرج الأحنف من مرو الشاهجان واستخلف عليها حارثة بن النعمان الباهلي بعد ما لحقت به أمداد أهل الكوفة وسار نحو مرو الروذ.