دينه وإرضاء ربه، وما أحوجنا إلى مثل هذه النماذج التي تحيا بها القلوب السقيمة والنفوس العاجزة الراكنة إلى الدنيا والمتمنية على الأماني.
هذه النماذج التي أنزل الله فيها {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} .
قال ابن الأثير رحمه الله:
في هذه السنة فتح يمين الدولة في بلاد الهند عدة حصون ومدن وأخذ الصنم المعروف بسومنات وهذا الصنم كان أعظم أصنام الهند وهم يحجون إليه كل ليلة خسوف فيجتمع عنده ما ينيف على مائة ألف إنسان وتزعم الهنود أن الأرواح إذا فارقت الأجساد اجتمعت إليه على مذهب التناسخ فينشئها فيمن شاء وأن المد والجزر الذي عنده إنما هو عبادة البحر على قدر استطاعته.
وكانوا يحملون إليه كل علق نفيس ويعطون سدنته كل مال جزيل وله من الموقوف ما يزيد على عشرة آلاف قرية وقد اجتمع في البيت الذي هو فيه من نفيس الجوهر ما لا تحصى قيمته ولأهل الهند نهر كبير يسمى كنك يعظمونه غاية التعظيم ويلقون فيه عظام من يموت من كبرائهم ويعتقدون أنها تساق إلى جنة النعيم.
وبين هذا النهر وبين سومنات نحو مائتي فرسخ وكان يحمل من مائة كل يوم إلى سومنات ما يغسل به ويكون عنده من البرهميين كل يوم ألف رجل لعبادته وتقديم الوفود إليه وثلاثمائة رجل يحلقون رؤوس زواره ولحاهم وثلاثمائة رجل وخمسمائة أمة يغنون ويرقصون على باب الصنم ولكل واحد من هؤلاء شيء معلوم كل يوم.
وكان يمين الدولة كلما فتح من الهند فتحًا وكسر صنمًا يقول الهنود: إن هذه الأصنام قد سخط عليها سومنات ولو أنه راض عنها لأهلك من تقصدها بسوء فلما بلغ ذلك يمين الدولة عزم على غزوه وإهلاكه ظنًا منه أن الهنود إذا فقدوه ورأوا كذب ادعائهم الباطل دخلوا في الإسلام فاستخار الله تعالى وسار عن غزنة عاشر شعبان من هذه السنة في ثلاثين ألف فارس من عساكره سوى المتطوعة وسلك سبيل الملتان فوصلها منتصف شهر رمضان.
وفي طريقه إلى الهند برية قفر لا ساكن فيها ولا ماء ولا ميرة فتجهز هو وعسكره على قدرها ثم زاد بعد الحاجة عشرين ألف جمل تحمل الماء والميرة وقصد أنهلوارة فلما قطع المفازة رأى في طرفها حصونًا مشحونة بالرجال وعندها آبار قد غوروها ليتعذر عليه حصرها فيسر الله تعالى فتحها عند قربه منها بالرعب الذي قذفه في قلوبهم وتسلمها وقتل سكانها وأهلك أوثانها وامتاروا منها الماء وما يحتاجون إليه.