فكان كذلك حتى فتح الله مكة.
انتهى.
لقد تظافرت عدة أسباب في انسحاب الأحزاب يوم الخندق، وقد يكون من أهمها [الحيلة] التي قام بها نعيم بن مسعود رضي الله عنه في التخذيل بين الأحزاب وضرب بعضهم ببعض حتى فقدوا الثقة بينهم!.
هذا النمط من الأفكار في الإيقاع بين الخصوم وفك تحالفهم أو عمل الكمائن الذكية أو جر العدو إلى المعركة في وقت لا يناسبه هذه الأفكار تحمل قوة إضافية لصاحبها في المعركة وتورثه طمأنينة وثقة بالنفس طالما أنه تصرف بذكاء في إدارة حيلته، وكذلك الجنود في المعركة أكثر طمأنينة إذا علموا أن لهم [كمينا محكما] أو [مخرجا للطوارئ] إن دارت الدائرة عليهم، فقوة الفكرة المستخدمة في خداع العدو قد تعطل إمكانيات جيش بأكمله كما حدث مع الأحزاب.
ولذا اختصر النبي صلى الله عليه وسلم الحرب بكلمة واحدة"الحرب خدعة"رواه البخاري.
كانت غزوة طاحنة بكل المقاييس فالمسلمون ثلاثة آلاف مقابل مئتي ألف من الروم والغساسنة، وقتل فيها الأمراء الثلاثة وكسرت في يد خالد بن الوليد تسعة أسياف. . . ولكن على قدر أهل العزم تأتي العزائم.
قال ابن الأثير رحمه الله:
وكانت في جمادى الأولى من سنة ثمان واستعمل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليهم زيد بن حارثة وقال:"إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة".
فقال جعفر: ما كنت أذهب أن تستعمل علي زيدًا.
فقال:"امض فإنك لا تدري أي ذلك خير".
فبكى الناس وقالوا: هلا متعتنا بهم يا رسول الله فأمسك وكان إذا فتجهز الناس وهم ثلاثة آلاف وودعهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والناس.
فلما ودع عبد الله بن رواحة بكى عبد الله فقال له الناس: ما يبكيك فقال: ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم ولكن سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقرأ آية وهي: {وَإنْ مِنْكُمْ إلاّ وَارِدُهَا كَانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} [مريم: 71] . فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود فقال المسلمون: صحبكم الله وردكم إلينا سالمين.