وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى وبين أنه من أفضل الناس معيشة فقال"من خير معاش الناس لهم رجل آخذ بعنان فرسه كلما سمع هيعة أو فزعة طار على متنه"قال الشيخ عبدالله عزام رحمه الله: (آخذ بعنان فرسه"كناية عن الاستمرار في الجهاد) ."
وهو ما نواه عقبة بن نافع في قوله لأبنائه (إني قد بعت نفسي لله عز وجل فلا أزال أجاهد من كفر بالله) ، ليكون من أحق الناس بالصفقة الرابحة {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} .
قال ابن الأثير رحمه الله:
هذا كسيلة بن كمرم البربري كان قد أسلم لما ولي أبو المهاجر إفريقية وحسن إسلامه وهو من أكابر البربر وأبعدهم صوتًا وصحب أبا المهاجر فلما ولي عقبة عرفه أبو المهاجر محل كسيلة وأمره بحفظه فلم يقبل واستخف به وأتى عقبة بغنم فأمر كسيلة بذبحها وسلخها مع السلاخين فقال كسيلة: هؤلاء فتياني وغلماني يكفونني المؤونة. فشتمه وأمره بسلخها ففعل فقبح أبو المهاجر هذا عند عقبة فلم يرجع فقال له: أوثق الرجل فإني أخاف عليك منه! فتهاون به عقبة.
فأضمر كسيلة الغدر فلما كان الآن ورأى الروم قلة من مع عقبة أرسلوا إلى كسيلة وأعلموه حاله وكان في عسكر عقبة مضمرًا للغدر وقد أعلم الروم ذلك وأطمعهم.
فلما راسلوه أظهر ما كان يضمره وجمع أهله وبني عمه وقصد عقبة فقال أبو المهاجر: عاجله قبل أن يقوى جمعه.
وكان أبو المهاجر موثقًا في الحديد مع عقبة.
فزحف عقبة إلى كسيلة فتنحى كسيلة عن طريقه ليكثر جمعه فلما رأى أبو المهاجر ذلك تمثل بقول أبي محجن الثقفي:
كفى حزنًا أن تمرغ الخيل بالقنا وأترك مشدودًا علي وثاقيا
إذا قمت عناني الحديد وأغلقت مصارع من دوني تصم المناديا
فبلغ عقبة ذلك فأطلقه فقال له: الحق بالمسلمين وقم بأمرهم وأنا أغتنم الشهادة.
فلم يفعل وقال: وأنا أيضًا أريد الشهادة.
فكسر عقبة والمسلمون أجفان سيوفهم وتقدموا إلى البربر وقاتلوهم فقتل المسلمون جميعهم لم يفلت منهم أحد
انتهى.