ولما ملك سليمان أنطاكية أرسل إلى السلطان ملكشاه يبشره بذلك وينسب هذا الفتح إليه لأنه من أهله وممن يتولى طاعته فأظهر ملكشاه البشارة به وهنأه الناس فممن قال فيه الآبيوردي من قصيدة مطلعها: وفتحت أنطاكية الروم التي نشرت معاقلها على الإسكندر وطئت مناكبها جيادك فانثنت تلقي أجنتها بنات الأصفر وهي طويلة.
انتهى.
دخل ربعي بن عامر قبيل معركة القادسية على رستم فسأله رستم عن سبب مجيئهم لبلاد الفرس فقال: إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ومن جور الأديان إلى عدالة الإسلام!. إن كلمات ربعي القليلة كانت كفيلة بشرح المنهج الذي شرع من أجله الجهاد، المنهج الذي ينشر العدل الذي أمر الله به بين الناس في جميع شؤون حياتهم، وانظر إلى أقوال وأفعال الجيل الأول الذي تربى على يد النبي صلى الله عليه وسلم تجد أن العدل واضحا جليا في أفهامهم، فهذا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في أول خطبة له (والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه) وانظر إلى ما قاله عبدالله بن رواحة عندما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى يهود خيبر ليأخذ منهم الزكاة فأرادوا رشوته فقال: والله قد جئتكم من أحب الناس إلي وإنكم لأبغض الناس إلي ولا يحملني حبي له وبغضي لكم ألا أعدل فيكم، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض!
هذه المعاني الفريدة في العدل هي من دفعت البشرية إلى دعوة المسلمين لفتح أراضيها حتى يبدد النور الذي بعثهم الله به كل الظلمات التي عاشوا في ظلها والجور الذي يعانون من وطئته، كما حدث من أهل أنطاكية الشام في دعوتهم لأمير المسلمين سليمان بن قتلمش لفتح بلادهم، ومن هنا نعلم أن تمسكنا بالتطبيق السليم للمنهج الإسلامي وكل ما فيه من أخلاق وقيم ومبادئ هو من سيفتح لنا قلوب الناس قبل أن نفتح أراضيهم.
قال ابن الأثير رحمه الله:
في هذه السنة استولى الفرنج لعنهم الله على مدينة طليطلة من بلاد الأندلس وأخذوها من المسلمين وهي من أكبر البلاد وأحصنها.
وسبب ذلك أن الأذفونش ملك الفرنج بالأندلس كان قد قوي شأنه وعظم ملكه وكثرت عساكره مذ تفرقت بلاد الأندلس وصار كل بلد بيد ملك فصاروا مثل ملوك الطوائف فحينئذ طمع الفرنج فيهم وأخذوا كثيرًا من ثغورهم.