فعند انشغال الحرب يجب تحصين الجبهة الداخلية، ووضع العين على مكامن الخطر المتمثلة في الأقليات التي لم يثبت منها الإسلام أو فيمن نشك بنفاقه أو في أهل الذمة إن القتال مع إخوانهم في الدين.
فعندما نقاتل النصارى نأخذ الحذر من النصارى الذين بيننا، وعندما نقاتل الهندوس نراقب تجمعاتهم السكانية على أراضينا وهكذا، حتى لا نؤخذ على حين غرة كما فعل بالمسلمين في [مرج العصا] على يد الأرمن الذين هبوا لمساعدة إخوانهم الغزاة.
قال ابن الأثير رحمه الله:
ولما ظفر المهدي بعبد الجبار بغير تعب ولا مباشرة قتل كره المنصور أن تبطل تلك النفقات التي أنفق على المهدي فكتب إليه أن يغزو طبرستان وينزل الري ويوجه أبا الخصيب وخازم بن خزيمة والجنود إلى الأصبهبذ وكان الأصبهبذ يومئذ محاربًا للمصمغان ملك دنباوند معسكرًا بإزائه فلما بلغه دخول الجنود بلاده ودخول أبي الخصيب سارية قال المصمغان للأصبهبذ: متى قهروك صاروا إلي فاجتمعا على حرب المسلمين.
فانصرف الأصبهبذ إلى بلاده فحارب المسلمين فطالت تلك الحروب فوجه المنصور عمر بن العلاء إلى طبرستان وهو الذي يقول فيه بشار:
إذا أيقظتك حروب العدى فنبه لها عمرًا ثم نم
وكان علمًا ببلاد طبرستان فأخذ الجنود وقصد الرويان وفتحها وأخذ قلعة الطاق وما فيها وطالت الحرب فألح خازم على القتال ففتح طبرستان وقتل منهم فأكثر وسار الأصبهبذ إلى قلعته فطلب الأمان على أن يسلم القلعة بما فها من الذخائر وكتب المهدي بذلك إلى المنصور فوجه المنصور صالحًا صاحب المصلى فأحصوا ما في الحصن وانصرفوا ودخل الأصبهبذ بلاد جيلان من الديلم فمات بها وأخذت ابنته وهي أم إبراهيم بن العباس بن محمد.
انتهى.
يقال لكل مقام مقال، ونستطيع أن نقول هنا لكل حرب رجال، فأصحاب الرتب العسكرية الكبيرة كلواء وعقيد وغيرها قد لا يفلحوا في إدارة حرب العصابات، والعكس صحيح فرجال حرب العصابات قد لا يفلحون في إدارة الحرب النظامية، وأيضا على مستوى الوقت نجد بعض القادة يتميزون بالنفس الطويل في الحروب أما البعض الآخر فيعتمدون على الحسم السريع للخروج بأفضل النتائج، وهذا كله يرجع إلى نوعية القائد وطبيعته القتالية.