فنادى العباس: يا أهل القرآن! فأقبلوا جميعًا فهزم الله الروم حتى دخلوا طوانة وحصرهم المسلمون وفتحوها في جمادى الأولى.
انتهى.
هناك نداءات معينة تثير الحماسة وتذكر المعني بها بما يجب عليه تجاه ذلك، ولنأخذ مثالا بسيطا على ذلك: فلو أن هناك ابن لملك وقام بتصرفات غير لائقة، لقال له من حوله (انتبه! أنت ابن الملك ولا ينبغي لك ذلك) فيكفيه فقط تذكيره حتى يعود إلى اللباقة والأدب وحسن التصرف.
وكذلك حامل القرآن يلزمه الكثير تجاه ما وهبه الله تعالى، كما قال سالم مولى حذيفة يوم اليمامة عندما قيل له (نخشى أن نؤتى من قبلك يا سالم، فقال: بئس حامل القرآن أنا إن أوتيتم من قبلي) .
فأهل القرآن يقاتلون عن عقيدة، فإن رأوا كثرة من عدوهم قالوا {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} وإن هدد الأعداء قالوا {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا} وإن اشتد عليهم الحصار والكرب قالوا {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} وإن كثرت فيهم الجراح قالوا {إِنْ تَكُونُوا تَالَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَمَا تَالَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ} وإن قتلوا قالوا: (فزت ورب الكعبة) . فهم يقاتلون ولكن عن عقيدة راسخة، وهذا هو الداعي الذي دعا [العباس] أن يخصهم بالنداء من دون الجيش (أين أهل القران) .
قال ابن الأثير رحمه الله:
في هذه السنة قتل محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي يجتمع هو والحجاج في الحكم ذاهر بن صعصعة ملك السند وملك بلاده وكان الحجاج بن يوسف استعمله على ذلك الثغر وسير معه ستة آلاف مقاتل وجهزه بكل ما يحتاج إليه حتى المسال والإبر والخيوط فسار محمد إلى مكران فأقام بها أيامًا ثم أتى قنزبور ففتحها ثم سار إلى ارمائيل ففتحها ثم سار إلى الديبل فقدمها يوم جمعة ووافته سفن كان حمل فيها الرجال والسلاح والأداة فخندق حين نزل الديبل بد عظيم عليه دقل عظيم وعلى الدقل راية حمراء إذا هبت الريح أطافت بالمدينة وكانت تدور والبد صنم في بناء عظيم تحت منارة عظيمة مرتفعة وفي رأس المنارة هذا الدقل وكل ما يعبد فهو عندهم بد.
فحصرها وطال حصارها فرمى الدقل بحجر العروس فكسره فتطير الكفار بذلك ثم إن محمد أتى وناهضهم وقد خرجوا إليه فهزمهم حتى ردهم إلى البلد وأمر بالسلاليم فنصبت وصعد عليها الرجال وكان أولهم صعودًا رجل من مراد من أهل الكوفة ففتحت عنوة وقتل فيها ثلاثة أيام وهرب عامل ذاهر عنها وأنزلها محمد أربعة آلاف من المسلمين وبنى جامعها وسار عنها إلى البيرون وكان أهلها بعثوا إلى الحجاج فصالحوه فلقوا محمدًا بالميرة وأدخلوه مدينتهم وسار عنها وجعل لا يمر