تتطلب أمور تسيير الجيوش والتنسيق بين قطاعاتها العسكرية وتأمين احتياجاتها التموينية والمعيشية إدارة جيدة حتى تتمكن من الحركة والاستمرار في وجه أي طارئ، وقد كانت الإدارة الجيدة التي أبداها الأمير فخر الملك بن عمار إبان حصار طرابلس في تقدير الأقوات وتوزيع الغذاء وغيره كانت من الأسباب القوية التي ساعدت طرابلس على الصمود في وجه الحصار لمدة خمس سنين متواصلة وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم"ما عال من اقتصد"فالإدارة فن وعلم من العلوم التي تدرس في الجامعات والمعاهد العلمية، وينبغي علينا كمجاهدين أن نتقن بعض التخصصات الإدارية التي نحتاجها في إدارة المعسكرات أو إدارة بعض المناطق التي نحكمها حتى لا نظهر بصورة مهزوزة أمام شعوبنا وليعلم الجميع بأننا مؤهلين للقيادة.
قال ابن الأثير رحمه الله:
في هذه السنة كانت حرب شديدة بين طغتكين أتابك والفرنج وسببها أن طغتكين سار إلى طبرية وقد وصل إليها ابن أخت بغدوين الفرنجي ملك القدس فتحاربا واقتتلا وكان طغتكين فلما اشتد القتال انهزم المسلمون فترجل طغتكين ونادى بالمسلمين وشجعهم فعادوا الحرب وكسروا الفرنج وأسروا ابن أخت الملك وحمل إلى طغتكين فعرض طغتكين عليه الإسلام فامتنع منه وبذل في فداء نفسه ثلاثين ألف دينار وإطلاق خمسمائة أسير فلم يقنع طغتكين منه بغير الإسلام فلما لم يجب قتله بيده وأرسل إلى الخليفة والسلطان الأسرى ثم اصطلح طغتكين وبغدوين ملك الفرنج على وضع الحرب أربع سنين وكان ذلك من لطف الله تعالى بالمسلمين ولولا هذه الهدنة لكان الفرنج بلغوا من المسلمين بعد الهزيمة أمرًا عظيمًا.
انتهى.
الحياة في ظل الجهاد والعزة التي تنتج عن ذلك في شخصية المجاهد تجعل من الصعب عليه بعد أن رآى ذلك النور واستنشق هذا الهواء النظيف أن يرضى بأنصاف الحلول مع أعداء المنهج الرباني الذين يحولون دون تبليغ هذه الرسالة إلى الناس وإخراجهم من تلك الظلمات إلى ذلك النور الذي رآه! هذا الشعور القوي في حس المؤمن هو من جعل صلح الحديبية من أصعب الأمور التي مر بها الصحابة لدرجة أنهم لم يصدقوا بأنهم سيرجعون ولن يقاتلوا أهل مكة ولن ينقذوا إخوانهم