! لأنه عادة يظهر في مكان غير متوقع وبأسلوب غير تقليدي وفي وقت حرج! فهو بذلك إما يصل إلى هدفه أو يقتل دونه وفي كلا الحالتين يكون هو الفائز الوحيد.
وروح الفدائية هذه هي التي رفعت البراء بن مالك رضي الله عنه فوق أسوار حديقة الموت ليلقى حتفه بداخلها ويفتح الأبواب للمسلمين، فكان هذا العمل الفدائي الفردي النصر في هذه المعركة الحساسة والحساسة من حياة الأمة.
ويكفينا كمسلمين أن نذكر أعداء الله بهذه الروح الفدائية التي نتميز بها بين الأمم حتى نملأ قلوبهم وصدورهم رعبا وهو ما أشار إليه شيخ الإسلام في رسالته الشهيرة إلى ملك قبرص في شأن الأسرى المسلمين عنده (ثم عند المسلمين من الرجال الفداوية الذين يغتالون الملوك في فرشها وعلى من قد بلغ الملك خبرهم قديما وحديثا) .
قال ابن الأثير رحمه الله:
فلما تكامل جمع المسلمين باليرموك وكانوا سبعة وعشرين ألفًا قدم خالد في تسعة آلاف فصاروا ستة وثلاثين ألفًا سوى عكرمة فإنه كان ردءًا لهم وقيل: بل كانوا سبعة وعشرين ألفًا وثلاثة آلاف من فلال خالد ابن سعيد وعشرة آلاف مع خالد بن الوليد فصاروا أربعين ألفًا سوى ستة آلاف مع عكرمة بن أبي جهل وقيل في عددهم غير ذلك والله أعلم.
وكان فيهم ألف صحابي منهم نحو مائة ممن شهد بدرًا.
وكان الروم في مائتي ألف وأربعين ألف مقاتل منهم ثمانون ألف مقيد وأربعون ألف مسلسل للموت وأربعون ألفًا مربطون بالعمائم لئلا يفروا وثمانون ألف راجل وقيل: كانوا مائة ألف وكان قتال المسلمين لهم على تساند كل أمير على أصحابه لا يجمعهم أحد حتى قدم خالد بن الوليد من العراق وكان القسيسون والرهبان يحرضون الروم شهرًا ثم خرجوا إلى القتال الذي لم يكن بعده قتال في جمادى الآخرة.
فلما أحس المسلمون بخروجهم أرادوا الخروج متساندين فسار فيهم خالد بن الوليد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هذا يوم من أيام الله لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم فإن هذا يوم له ما بعده ولا تقاتلوا قومًا على نظام وتعبية وأنتم متساندون فإن ذلك لا يحل ولا ينبغي وإن من وراءكم لو يعلم علمكم حال بينكم وبين هذا فاعملوا فيما لم تؤمروا به بالذي ترون أنه رأي من واليكم ومحبته.
قالوا: هات فما الرأي قال: إن أبا بكر لم يبعثنا إلا وهو يرى أنا سنتياسر ولو علم بالذي كان ويكون لقد جمعكم إن الذي أنتم فيه أشد على المسلمين مما قد غشيهم وأنفع للمشركين من أمدادهم ولقد علمت أن الدنيا فرقت بينكم فالله الله! فقد أفرد كل رجل منكم ببلد لا ينتقصه منه إن دان لأحد من الأمراء ولا يزيده عليه إن دانوا له.