من النادر أن ترى عالما مجاهدا أو أصبح من قلة الحكمة عند الناس أن يخرج العالم للجهاد ويترك التصدي للفتيا والتعليم وغيره.
قال ابن الأثير رحمه الله:
في هذه السنة عاد المأمون إلى بلاد الروم وسبب ذلك أنه بلغه أن ملك الروم قتل ألفًا وستمائة من أهل طرسوس والمصيصة فسار حتى دخل أرض الروم في جمادى الأولى فأقام إلى منتصف شعبان.
وقيل كان سبب دخوله إليها أن ملك الروم كتب إليه وبدا بنفسه فسار إليه ولم يقرأ كتابه فلما دخل أرض الروم أناخ على أنطيغوا فخرجوا على صلح ثم سار إلى هرقلة فخرج أهلها على صلح.
انتهى.
تقديم اسم على اسم في رسالة لا يعتبر سببا كافيا لإقامة حرب في موازين السياسة الدولية ولكنها قد تكون علامة على قيام العدو بجس نبض لدينا عبر هذه الإشارات الصغيرة التي سيتعرف على حقيقة من يتعامل معه من خلالها، فالمرة الأولى تكون رسالة والثانية تعديا بسيطا بدون اعتذار والثالثة إهانة صريحة حتى يكسر حاجز الرهبة ويوقن أنه يتعامل مع قادة ضعفاء وصيد سهل، فهذه الإشارات ينبغي أن تكون لدينا معها خطوط حمراء لا يسمح بتجاوزها خاصة أن التعالي على خليفة المسلمين مثل المأمون هو تعالي على دولة الإسلام برمتها.
قال الله تعالى {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} وقال النبي صلى الله عليه وسلم"الإسلام يعلو ولا يعلى عليه".
وهذا الاستعلاء بالإيمان ملازم للمؤمن في ضعفه وقوته كما فعل ربعي بن عامر في مشيه على بساط رستم وهو يخرق الوسائد والحرير بحربته وسط ذهول الفرس من استهانته واستهزائه بهم.
أما إن تركنا الجهاد الذي تتحقق فيه عزة الأمة فسنكون أذنابا للأمم وسينظرون إلينا نظرة دونية كما هو الآن في تصنيفهم إيانا كدول عالم ثالث.
وصدق الصديق في قوله (ما ترك الجهاد قوم إلا ذلوا) .