وهلك من المسلمين أربعة آلاف بين قتيل وغريق وهرب الفان وبقي ثلاثة آلاف وقتل من الفرس ستة آلاف.
وأراد بهمن جاذويه العبور خلف المسلمين فأتاه الخبر باختلاف الفرس وأنهم قد ثاروا برستم ونقضوا الذي بينهم وبينه وصاروا فريقين: الفهلوج على رستم وأهل فارس على الفيرزان فرجع إلى المدائن. وكانت هذه الوقعة في شعبان.
وكان فيمن قتل بالجسر عقبة وعبد الله ابنا قبطي بن قيس وكانا شهدا أحدًا وقتل معهما أخوهما عباد ولم يشهد معهما أحدًا وقتل أيضًا قيس ابن السكن بن قيس أبو زيد الأنصاري وهو بدري لا عقب له وقتل يزيد بن قيس بن الحطيم الأنصاري شهد أحدًا وفيها قتل أبو أمية الفزاري له صحبة والحكم بن مسعود أخو أبي عبيد وابنه جبر بن الحكم ابن مسعود.
انتهى.
من الواضح عبر أحداث هذه المعركة أن القرار الذي اتخذه أمير الجيش أبو عبيد الثقفي بعبور الجسر والذي خالف به أهل الخبرة والرأي قد جعل المسلمين في وضعية صعبة للقتال وبين فكي كماشة فحدث ما حدث ولله الأمر من قبل ومن بعد.
إن الشورى وإن كانت غير ملزمة للأمير إلا أن فيها من البركة والسداد ما ليس في غيرها وقد عمل بها النبي صلى الله عليه وسلم وهو من يوحى إليه من السماء وهو الأكمل عقلا ودينا ورأيا حتى يعلم من بعده أنها سنة ربانية يستضيء بها كل من توجه في أمر صغير أو كبير.
إن ميزة الشورى أنها تختصر لك عقول وتجارب الناس في حياتهم الطويلة في بضع دقائق فقط فتبدأ حينها من حيث انتهوا فتكون بذلك أقرب إلى الصواب وتكون بذلك أيضا قد اختصرت على نفسك الوقت والجهد بخلاف ما لو بدأت من نقطة الصفر.
فالقرار السليم يمر بثلاث مراحل ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} فالمشورة أولا ثم العزم الصادق ثم التوكل على الله عز وجل ولا تخف بعدها شيئا (ما خاب من استخار ولا ندم من استشار)
قال ابن الأثير رحمه الله: