يخرج الجهاد عن مضمونه وحقيقته بل يوحي بشيء من الركون إلى الدنيا ومن كانت هذه حاله فهو أبعد ما يكون عمن يقول الله فيهم {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} .
قال ابن الأثير رحمه الله:
في هذه السنة في صفر كانت وقعة بين طغتكين أتابك صاحب دمشق وبين قمص كبير من قمامصة الفرنج.
وسبب ذلك: أنه تكررت الحروب والمغاورات بين عسكر دمشق وبغدوين فتارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء ففي آخر الأمر بنى بغدوين حصنًا بينه وبين دمشق نحو يومين فخاف طغتكين من عاقبة ذلك وما يحدث به من الضرر فجمع عسكره وخرج إلى مقاتلتهم فسار بغدوين ملك القدس وعكا وغيرهما إلى هذا القمص ليعاضده ويساعده إلى المسلمين فعرفه القمص غناه
وتقدم طغتكين إلى الفرنج واقتتلوا واشتد القتال فانهزم أميران من عسكر دمشق فتبعهما طغتكين وقتلهما وانهزم الفرنج إلى حصنهم فاحتموا به فقال طغتكين: من أحسن قتالهم وطلب مني أمرًا فعلته معه ومن أتاني بحجر من حجارة الحصن أعطيته خمسة دنانير.
فبذل الرجالة نفوسهم وصعدوا إلى الحصن وخربوه وحملوا حجارته إلى طغتكين فوفى لهم بما وعدهم وأمر بإلقاء الحجارة في الوادي وأسروا من بالحصن فأمر بهم فقتلوا كلهم واستبقى الفرسان أسراء وكانوا مائتي فارس ولم ينج ممن كان في الحصن إلا القليل.
انتهى.
تأخذ بعض المواقع الجغرافية أهمية استراتيجية كبيرة فتكون محط اهتمام وقلق من قبل الجميع، فبعض المرتفعات والجبال المطلة على المدن تعتبر مفتاح للسيطرة عليها وكذلك الحال في كل موقع يكون فيه خطر استراتيجي كما كان من أمر الحصن الذي بناه الإفرنج على أرض لا تبعد عن دمشق سوى مسيرة يومين، ولذلك تحرك طغتكين لأنه أدرك أن ذلك يشكل خطرا حقيقيا يهدد أمن دمشق، وقد يأخذ الخطر الإستراتيجي أشكال أخرى غير المواقع المهمة فتنامي القوة العسكرية لأي بلد هو خطر استراتيجي على الدول العدوة لها وبعض التحالفات السياسية والعسكرية تعتبر خطرا استراتيجيا على بعض الدول، وهكذا فكل ما يجعلنا مهددين أمنيا فهو خطر حقيقي على بقائنا على الخريطة فيجب التعامل معه بحزم وقوة ومنذ البداية.