وقد كنت أطلب الشهادة منذ زمان وإن فاتتني اليوم الشهادة ما أدركها حتى أموت. ثم قال شريح: يا أهل الإسلام تعاونوا على عدوكم.
فقال له ابن أبي بكرة: إنك شيخ قد خرفت.
فقال له شريح: إنما حسبك أن يقال بستان عبيد الله وحمام عبيد الله.
يا أهل الإسلام من أراد منكم الشهادة فإلي.
فاتبعه ناس من المتطوعة غير كثير وفرسان الناس وأهل الحفاظ قاتلوا حتى أصيبوا إلا قليلًا وجعل شريح يرتجز ويقول:
أصبحت ذا بثٍ أقاسي الكبرا قد عشت بين المشركين أعصرا
ثمة أدركنا النبي المنذرا وبعده صديقه وعمرا
ويوم مهران ويوم تسترا والجمع في صفينهم والنهرا
وباجميراتٍ مع المشقرا هيهات ما أطول هذا عمرا
وقاتل حتى قتل في ناس من أصحابه ونجا منهم.
انتهى.
قال القرطبي (فرض على الإمام إغزاء طائفة إلى العدو كل سنة مرة، يخرج معهم بنفسه أو يخرج من يثق به يدعوهم إلى الإسلام ويزعهم ويكف أذاهم ويظهر دين الله حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية) .
ولذا نجد أن الحجاج لم يبعث لرتبيل من يذكره بموعد الجزية لأنه علم أن رتبيل اعتبر عدم قيام المسلمين بالجهاد ولأكثر من عام دليل كبير على ضعفهم فلم يدفع لهم، فكان لزاما على الحجاج أن يسير له جيشا يذكره بقوة الدولة الأموية وبروح الجهاد عند المسلمين.
فالجهاد صوت الأمة الذي يدل على يقظتها فلا تطمع نفس لص فيها، أما ترك الجهاد فهو الداعي القوي للاستهانة بها والتجرؤ عليها كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم"يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ فقال: حب الدنيا وكراهية الموت".
قال ابن الأثير رحمه الله: