على الثلمة يرمون قليلا وإلا ذهبت المدينة فلم يمدوه بأحد وقالوا: لا نمدك ولا تمدنا فعزم هو وأصحابه على الخروج إلى المعتصم يسألونه الأمان على الذرية ويسلمون إليه الحصن بما فيه.
فلما أصبح وكل أصحابه بجانبي الثلمة وأمرهم أن لا يحاربوا وقال: أريد الخروج إلى المعتصم فخرج إليه فصار بين يديه والناس يتقدمون إلى الثلمة وقد أمسك الروم عن القتال حتى وصلوا إلى السور والروم يقولون: لا تخشوا وهم يتقدمون ووندوا جالس عند المعتصم فأركبه فرسا وتقدم الناس حتى صاروا في الثلمة وعبد الوهاب بن علي بين يدي المعتصم يومئ إلى المسلمين بالدخول فدخل الناس المدينة فالتفت وندوا وضرب بيده على لحيته فقال له المعتصم: ما لك قال: جئت أسمع كلامك فغدرت بي قال المعتصم: كل شيء تريده
وصار طائفة كبيرة من الروم إلى كنيسة كبيرة لهم فأحرقها المسلمون عليهم فهلكوا كلهم وكان ناطس فر برجه حوله أصحابه فركب المعتصم ووقف مقابل ناطس فقيل له: يا ناطس! هذا أمير المؤمنين وظهر من البرج وعليه سيف فنحاه عنه ونزل حتى وقف بين يديه فضربه سوطا وسار المعتصم إلى مضربه وقال: هاتوه! فمشى قليلا فأمر المعتصم بحمله وأخذ السيف الروم وأقبل الناس بالأسرى والسبي من كل وجه فأمر المعتصم أن يعزل منهم أهل اشرف ونقل من سواهم وأمر ببيع المغانم في عدة مواضع فبيع منها في أكثر من خمسة أيام وأمر الباقي فأحرق.
انتهى.
الفرق بين الجيوش النظامية والتجمعات الهمجية في القتال أن الأول له نظام معين يتوزع فيه المجهود الحربي بين جميع أفراد الجيش فيكونون كالأعضاء المختلفة في الجسد الواحد، لكل عضو منه مهمة محددة في وقت محدد.
أما التجمعات الهمجية في القتال فليس لهم أسلوب معين أو نظام محدد بين أفراد المجموعة لأنها تشكلت عشوائية وغالبا من دون تدريب جيد، كالمجموعات التي تجدها في الثورات الشعبية ففي البداية تكون غير منظمة، وإن كتب للثورة البقاء والنمو تكون هذه التجمعات قد اكتسبت بعض الخبرة الميدانية التي تمكنها من التنظيم الجيد.
والعشوائية والتنظيم هو المعيار الذي يمكننا من الحكم على حرب العصابات إن كانت ستنجح أم لا.
وما فعله المعتصم من تقسيم الأدوار بينه وبين الأفشين وأشناس هو من باب التنظيم الناجح الذي يوظف مجهودات الجيوش الثلاثة في مكان واحد وبشكل مستمر.