فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 190

فلما رأى الروم ذلك جعلوا عليه خشبًا كبارًا كل عود يلزق الآخر وكان المنجنيق يكسر الخشب فجعلوا عليه براذع فلما ألحت المجانيق على ذلك الموضع تصدع السور وكتب الخصي وبطريق عمورية واسمه ناطس كتابًا إلى ملك الروم يعلمه أمر السور وسيره مع رجلين فأخذهما المسلمون وسألهما المعتصم وفتشهما فرأى الكتاب وفيه أن العسكر قد أحاط بالمدينة وقد كان دخوله إليها خطأ وأن ناطس عازم على أن يركب في خاصته ليلا ويحمل على العسكر كائنًا ما كان حتى يخلص ويسير إلى الملك فلما قرأ المعتصم الكتاب أمر لهما ببدرة وهي عشرة آلاف درهم وخلع فأسلما فأمر بهما فطافا حول عمورية وأن يقفا مقابل البرج الذي فيه ناطس فوقفا وعليهما الخلع والأموال بين أيديهما فعرفهما ناطس ومن معه من الروم فشتموهما.

وأمر المعتصم بالاحتياط في الحراسة ليلًا ونهارا فلم يزالوا كذلك حتى انهدم السور ما بين برجين من ذلك الموضع وكان المعتصم أمر أن يطم خندق عمورية بجلود الغنم المملوءة ترابًا فطموه وعمل دبابات كبارًا تسع كل دبابة عشرة رجال ليدحرجوها على الجلود إلى السور فدحرجوا واحدة منها فلما صارت في نصف الخندق تعلقت بتلك الجلود فما تخلص من فيها إلا بعد شدة وجهد وعمل سلاليم ومنجنيقات.

فلما كان الغد من يوم انهدم السور قاتلهم على الثلمة فكان أول من بدأ بالحرب أشناس وأصحابه وكان الموضع ضيقا فلم يمكنهم الحرب فيه فأمدهم المعتصم بالمنجنيقات التي حول السور فجمع بعضها إلى بعض حول الثلمة وأمر أن يرمي ذلك الموضع.

وكانت الحرب في اليوم الثاني على الأفشين وأصحابه وأجادوا الحرب وتقدموا والمعتصم على دابته بإزاء الثلمة وأشناس والأفشين وخواص القواد معه فقال المعتصم: ما أحسن ما كان الحرب اليوم! وقال عمر الفرغاني: الحرب اليوم أجود منها أمس فأمسك أشناس.

فلما انتصف النهار وانصرف المعتصم والناس وقرب أشناس من مضربه ترجل له القواد كما كانوا يفعلون وفيهم الفرغاني وأحمد ابن الخليل بن هشام فقال لهم أشناس: يا أولاد الزنا! ايش تمشون بين يدي كان ينبغي أن تقاتلوا أمس حيث تقفون بين يدي أمير المؤمنين فتقلون الحرب اليوم أجود منها أمس كان يقاتل أمس غيركم انصرفوا إلى مضاربكم فلما انصرف الفرغاني وأحمد بن الخليل قال أحدهما للأخر: إلا ترى إلى هذا العبد ابن الفاعلة يعني أشناس ما صنع اليوم أليس الدخول إلى الروم أهون من هذا فقال الفرغاني لأحمد وكان عنده علم من العباس بن المأمون: سيكفيك الله أمره عن قريب فألح أحمد عليه فأخبره فأشار عليه أن يأتي العباس فيكون في أصحابه فقال أحمد: هذا أمر أظنه لا يتم قال الفرغاني: قد تم وأرشده إلى الحارث السمرقندي فأتاه فرفع الحارث خبره إلى العباس فكره العباس أن يعلم بشيء من أمره فأمسكوه عنه.

فلما كان اليوم الثالث كان الحرب على أصحاب المعتصم ومعهم المغاربة والأتراك وكان القيم بذلك إيتاخ فقاتلوا وأحسنوا واستعلهم هدم السور فلم تزل الحرب كذلك حتى كثرت الجراحات في الروم.

وكان بطارقة الروم قد اقتسموا أبراج السور وكان البطريق الموكل بهذه الناحية وندوا وتفسيره ثور فقاتل ذلك اليوم قتالًا شديدا وفي الأيام قبله ولم يمده ناطس ولا غيره بأحد فلما كان الليل مشى وندوا إلى الروم فقال: إن الحرب علي وعلى أصحابي ولم يبق معي أحد إلا جرح فصيروا أصحابكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت