فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 190

ولما سمع صاحبها باغي سيان بتوجههم إليها خاف من النصارى الذي بها فأخرج المسلمين من أهلها ليس معهم غيرهم وأمرهم بحفر الخندق ثم أخرج من الغد النصارى لعمل الخندق أيضًا ليس معهم مسلم فعملوا فيه إلى العصر فلما أرادوا دخول البلد منعهم وقال لهم: أنطاكية لكم تهبونها لي حتى أنظر ما يكون منا ومن الفرنج فقالوا له: من يحفظ أبناءنا ونساءنا فقال: أنا أخلفكم فيهم فأمسكوا وأقاموا في عسكر الفرنج فحصروها تسعة أشهر وظهر من شجاعة باغي سيان وجودة رأيه وحزمه واحتياطه ما لم يشاهد من غيره فهلك أكثر الفرنج موتًا ولو بقوا على كثرتهم التي خرجوا فيها لطبقوا بلاد الإسلام وحفظ باغي سيان أهل نصارى أنطاكية الذين أخرجهم وكف الأيدي المتطرقة إليهم.

فلما طال مقام الفرنج على أنطاكية راسلوا أحد المستحفظين للأبراج وهو زراد يعرف بروزبه وبذلوا له مالًا وأقطاعًا وكان يتولى حفظ برج يلي الوادي وهو مبني على شباك في الوادي فلما تقرر الأمر بينهم وبين هذا الملعون الزراد جاؤوا إلى الشباك ففتحوه ودخلوا منه وصعد جماعة كثيرة بالحبال فلما زادت عدتهم على خمسمائة ضربوا البوق وذلك عند السحر وقد تعب الناس من كثرة السهر والحراسة فاستيقظ باغي سيان فسأل عن الحال فقيل: إن هذا البوق من القلعة ولا شك أنها قد ملكت ولم يكن من القلعة وإنما كان من ذلك البرج فدخله الرعب وفتح باب البلد وخرج هاربًا في ثلاثين غلامًا على وجهه فجاء نائبه في حفظ البلد فسأل عنه فقيل إنه هرب فخرج من باب آخر هاربًا وكان ذلك معونة للفرنج ولو ثبت ساعة لهلكوا.

ثم إن الفرنج دخلوا البلد من الباب ونهبوه وقتلوا من فيه من المسلمين وذلك في جمادى الأولى.

انتهى.

تعتبر أبراج الحراسة والبوابات الرئيسية من الأماكن الحساسة في معسكرات الجيوش ولذا يختار لها نوعية معينة من الجند من ذوي الكفاءة واليقظة والشجاعة وتوضع كلمات سر للعبور الليلي وغيره من الإجراءات التي تضمن عدم اختراق المعسكر من الخارج، وبما أن هذه الأماكن الحساسة بهذه الأهمية الكبيرة فمن الخطأ إسنادها لمن لا يصلح لها، فقد يكون الجندي مهيأ بدنيا للقيام بهذه المهمة ولكنه ضعيف إيمانيا وليس عنده صبر على شيء البتة كما قال الصحابة لسالم مولى حذيفة يوم اليمامة: نخشى أن نؤتى من قبلك يا سالم؟ فقال: (بئس حامل القرآن أنا إن أوتيتم من قبلي!) ، فالصحابة رضوان الله عليهم عندما رأوا أن المكان الذي يشغله سالم حساس جدا أحبوا أن يتأكدوا من صلاحية سالم لهذه المهمة وهو ما غفل عنه ملك أنطاكية عندما أسند حراسة الأبراج لشخص غير ثقة وضعيف الإيمان فانسحب بكل سهولة وترك المدينة لبردويل وجيشه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت