وأما سبب هذه الغزوة فإن المسلمين لما أصابوا من أهل إفريقية وقتلوهم وسبوهم خرج قسطنطين بن هرقل في جمع له لم تجمع الروم مثله مذ كان الإسلام فخرجوا في خمسمائة مركب أو ستمائة وخرج المسلمون وعلى أهل الشام معاوية بن أبي سفيان وعلى البحر عبد الله بن سعد بن أبي سرح وكانت الريح على المسلمين لما شاهدوا الروم فأرسى المسلمون والروم وسكنت الريح فقال المسلمون: الأمان بيننا وبينكم فباتوا ليلتهم والمسلمون يقرؤون القرآن ويصلون ويدعون والروم يضربون بالنواقيس وقربوا من الغد سفنهم وقرب المسلمون سفنهم فربطوا بعضها مع بعض واقتتلوا بالسيوف والخناجر وقتل من المسلمين بشرٌ كثير وقتل من الروم ما لا يحصى وصبروا يومئذٍ صبرًا لم يصبروا في موطن قط مثله ثم أنزل الله نصره على المسلمين فانهزم قسطنطين جريحًا ولم ينج من الروم إلا الشريد.
انتهى.
تذكرنا هذه المعركة في حجمها وأهميتها بغزوة بدر الكبرى، فكل منهما كانا لقاءين مصيريين للمسلمين، وكعادة المسلمين والكفار إذا التقوا في ساحة المعركة يلجأ كل واحد منهما قبل المعركة إلى ما يعينه عليها.
فنجد الكفار يلجؤون إلى الشراب والطعام والمعازف كما كان حالهم يوم بدر في قول أبي جهل (والله لا نرجع حتى نقيم ثلاثا فننحر الجزور وتعزف القيان) وهذا الحال هو نفس ما كانوا عليه ليلة ذات الصواري.
أما المسلمون فلم تختلف حالهم عن حال أهل بدر كثيرا فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ويستنصر ربه في [العريش] يوم بدر حتى رأف لحاله أبو بكر فقال: (بعض مناشدتك ربك فإنه منجز لك ما وعدك) وهو ما كان عليه المسلمون وسط سفنهم في الليلة التي كان صبيحتها القتال.
لقد رأوا من عدد السفن والسلاح والمقاتلين ما ليس لهم به طاقة، فاستغاثوا بمن بيده ملكوت السموات والأرض بمن إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، هذا الدعاء وهذا اللجوء وهذه الاستغاثة هو من يورث صاحبه ذاك اليقين الصادق الذي يجعله يستصغر كل شيء في سبيل مرضاة ربه، وأنى لمن كان هذا يقينه وإيمانه أن يقف أمامه شيء.
فالدعاء هو السلاح الحقيقي للمسلم في المعركة وهو الترس الذي يتقي به ضربات عدوه وهو الدرع الذي تنكسر دونه السيوف والسهام، لهذا جعله الله تعالى من أول ما يفعله المسلم قبل القتال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم دعاءه عند اللقاء"اللهم أنت عضدي ونصيري بك أجول وبك أصول وبك أقاتل"، وأثر عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه كان في قتال الروم يلهج ب {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} يستحضر بها عون الله ونصره.