فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 190

فقال عبد الله:

لكنّني أسأل الرّحمن مغفرةً وضربةً ذات فرغٍ تقذف الزّبدا

أو طعنةً بيدي حرّان مجهزةً بحربةٍ تنفذ الأحشاء والكبدا

حتى يقولوا إذا مرّوا علي جدثي أرشدك الله من غازٍ وقد رشدا

فلما ودعهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعاد قال عبد الله:

خلف السّلام على امرئ ودّعته في النّخل خير مشيّع وخليل

ثم ساروا حتى نزلوا معان فبلغهم أن هرقل سار إليهم في مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة من لخم وجذام وبلقين وبلي عليهم رجل من بلي يقال له مالك بن رافلة ونزلوا مآب من أرض البلقاء فأقام المسلمون بمعان ليلتين ينظرون في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نخبره الخبر وننتظر أمره فشجعهم عبد الله بن رواحة وقال: يا قوم والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا نقاتلهم إلا بهذا الدين فانطلقوا فما هي إلا إحدى الحسنيين.

فقال الناس: صدق والله وساروا وسمعه زيد بن أرقم وكان يتيمًا في حجره وقد أردفه في مسيره ذلك على حقيبته وهو يقول:

إذا أدّيتني وحملت رحلي مسيرة أربعٍ بعد الحساء

فشأنك فانعمي وخلاك ذمّ ولا أرجع إلى أهلي ورائي

وجاء المسلمون وغادروني بأرض الشّام مشتهي الثّواء

وردّك كلّ ذي نسب قريبٍ من الرّحمن منقطع الإخاء

هنالك لا أبالي طلع بعلٍ ولا نخلٍ أسافلها رواء

فلما سمعها زيد بكى فخفقه بالدرة وقال: ما عليك يا لكع! يرزقني الله الشهادة وترجع بين شعبتي الرحل ثم ساروا فالتقتهم جموع الروم والعرب بقرية من البلقاء يقال لها مشارف وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة فالتقى الناس عندها وكان على ميمنة المسلمين قطبة بن قتادة العذري وعلى ميسرتهم عباية بن مالك الأنصاري فاقتتلوا قتالًا شديدًا فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى شاط في رماح القوم

ثم أخذها جعفر بن أبي طالب فقاتل بها وهو يقول:

والرّوم رومٌ قد دنا عذابها

عليّ إذ لاقيتها ضرابها

فلما اشتد القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ثم قاتل القوم حتى قتل وكان جعفر أول من عقر فرسه في الإسلام فوجدوا به بضعًا وثمانين بين رمية وضربة وطعنة فلما قتل أخذ الراية عبد الله بن رواحة ثم تقدم فتردد بعض التردد ثم قال يخاطب نفسه:

أقسمت يا نفس لتنزلنّه

طائعةً أو لا لتكرهنّه

إن أجلت النّاس وشدّوا الرّنّه

ما لي أراك تكرهين الجنّه

قد طال ما قد كنت مطمئنّه

هل أنت نطفةٌ في شنّه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت