المتطوعة إليه ضيق العلوفة والزاد والنفقة فقال: من صبر فليصبر ومن لا فالطريق واسع فلينصرف وفي جند أمير المؤمنين كفاية.
فانصرف المتطوعة يقولون: لوترك الأفشين جعفرًا وتركنا لأخذنا البذ لكنه يشتهي المطاولة فبلغه ذلك وما تتناوله المتطوعة بألسنتهم حتى قال بعضهم: إني رأيت رسول الله في المنام قال لي: قل للإفشين إن أنت حاربت هذا وجددت في أمره وإلا أمرت الجبال أن ترجمك بالحجارة فتحدث الناس بذلك فبلغ الأفشين فأحضره وسأله عن المنام فقصه عليه فقال: الله يعلم نيتي وما أريد بهذا الخلق وإن الله لو أمر الجبال برجم أحد لرجم هذا الكافر فكفانا مؤونته.
فقال رجل من المتطوعة: أيها الأمير لا تحرمنا شهادة إن كانت حضرت وإنا قصدنا ثواب الله ووجهه فدعنا وحدنا حتى نتقدم بعد أن يكون بإذنك لعل الله أن يفتح علينا.
فقال الأفشين: إني أرى نياتكم حاضرة وأحسب هذا الأمر يريده الله تعالى وهو خير إن شاء الله وقد نشطتم ونشط الناس وكان هذا رأيي وقد حدث الساعة لما سمعت من كلامكم اعزموا على بركة الله أي يوم أردتم حتى نناهضه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فخرجوا مستبشرين فتأخر من أراد الانصراف ووعد الأفشين الناس ليوم ذكره لهم وأمر الناس بالتجهز وحمل المال والزاد والماء وجعل المحامل على البغال تحمل الجرحى وزحف بالناس ذلك اليوم وجعل بخاراخذاه بمكانه على العقبة وجلس الأفشين بالمكان الذي كان يجلس فيه وقال لأبي دلف: قل للمتطوعة أي ناحية أسهل عليكم فاقتصروا عليها.
فقال لجعفر: العسكر كله بين يديك والنشابة والنفاطون فإن أردت فخذ منهم ما تريد واعزم على بركة الله وتقدم من أي موضع تريد.
فسار إلى الموضع الذي كان به ذلك اليوم وقال لأبي سعيد: قف عندي أنت وأصحابك وقال لجعفر: قف أنت ها هنا لمكان عينه له فإن أراد جعفر رجالًا أو فرسانًا أمددناه.
وتقدم جعفر والمتطوعة فقاتلوا وتعلقوا بسور البذ وضرب جعفر باب البذ ووقف عنده يقاتل عليه ووجه الأفشين إليه وإلى المتطوعة بالأموال لتفرق فيهم ويعطي من تقدم وأمدهم بالفعلة معهم الفؤوس وبعث إليهم بالمياه لئلا يعطشوا وبالكعك والسويق فاشتبكت الحرب على الباب طويلًا ففتحت الخرمية الباب وخرجوا على أصحاب جعفر فنحوهم عن الباب وشدوا على المتطوعة من الناحية الأخرى فطرحوهم عن السور ورموهم بالصخر وأثروا فيهم وضعفوا عن الحرب وأخذ جعفر من أصحابه نحو مائة رجل فوقفوا خلف تراسهم متحاجزين لا يقدم
وبعث الأفشين الرجالة الذين كانوا عنده نحو المطوعة وبعث إلى جعفر بعضهم خوفًا أن يطمع العدو فقال جعفر: لست أوتي من قلة ولكني لا أرى للحرب موضعًا يتقدمون فيه فأمره بالانصراف فانصرف.
وحمل الأفشين الجرحى ومن به من الحجارة فحملوا في المحامل على البغال وانصرفوا عنهم وأيس الناس من الفتح تلك السنة وانصرف أكثر المطوعة.