ظلال السيوف) حيث نتعلم من هذه الظلال أن ننطلق من حيث انتهى الآخرون وهذه هي الخطوة الأولى دائما قبل أي نجاح!
ولو أننا تناولنا هذه الغزوات بشكل منهجي كأن تكون دراسة تحليلية مبنية على أسس علمية ومشبعة بأحدث الأبحاث العسكرية لكان من الصعوبة أن يفهمها آحاد المجاهدين ولكن ميزة السرد التاريخي للفوائد العسكرية أنه أسلوب قصصي محبب للنفوس، وأميل بشدة إلى أن هذا الأسلوب محبب للعرب خاصة لما جبلوا عليه من اهتمام شديد بالتاريخ القديم والحديث وبما قبل الإسلام وبعده، ونحن عندما نجلس في مدرسة التاريخ فإننا نتعلم مادة الجهاد في مختبر الحياة بشكل عملي بعيدا عن النظريات والأفكار المجملة!
فالجهاد ذروة سنام الإسلام وفيه من الفضائل ما ليس في غيره من أبواب الطاعة، والمسلم عندما يطرق إلى سمعه تلك الأحاديث الجميلة في فضل الجهاد وأهله وما أعد الله لهم من الثواب والنعيم المقيم وكيف أن الشهيد لا يشعر بألم القتل وأن رائحة دمه كالمسك وأنه حي عند ربه يرزق ويفرح بما آتاه الله ويستبشر بمن خلفه. . . هذه المبشرات تجعله يستصغر أي عائق دونها ويضحي بكل شيء من أجل الفوز بها فيطير فرحا بهذا الكنز الذي دله الله عليه! في مقابل هذه الأفكار الجميلة توجد الأفكار المؤلمة لأن الجهاد عبادة شاقة على النفس والبدن على حد سواء، فالنفس تكره مواطن التلف كما أخبر سبحانه وتعالى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} فيجب قصرها عليه ولا يتأتى ذلك إلا لمن روض نفسه على طاعة الله ودخل هذه العبادة من بابها المتين وهو أن تقاتل عن عقيدة راسخة! فتكون مفاهيم الجهاد واضحة عندك منذ البداية وعندها فقط لن تجبن عن القتال لأن الجبن لن يؤخر الموت ولن تجزع من الجراح لأن ما أصابك لم يكن ليخطئك ولن تتراجع عن الجهاد لأن في الجهاد حياة الأمة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} والمجاهد عندما يأخذ هذه العبادة بكل ما فيها من رجاء وألم وصبر ومتطلبات تصبح عنده نظرة شمولية تساعده على الاستمرار والثبات على الطريق وتصبح عنده مناعة فكرية ضد فيروسات الشبهات أو الإحباطات المصاحبة للتجارب الفاشلة ويتضح عنده الفرق بين جمال الفكرة وواقعيتها كما يسميها الشيخ أبو قتادة الفلسطيني حفظه الله تعالى.
ويمكن لنا من خلال مجموع هذه التصورات أن نبني شخصية المجاهد المثالي التي نطمع أن تكون بين صفوفنا والتي ستؤثر هي بدورها فيمن حولها.
وقد اخترت كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير كمرجع أساسي لأحداث الغزوات لقيمة هذا الكتاب التاريخية ولدقة ابن الأثير في سرد الأحداث، وفيما يلي أضع بين يدي القارئ الكريم الجزء الأول من كتاب (في ظلال السيوف) والذي نتناول فيه بعض أهم المعارك العسكرية في الخمسمائة سنة الأولى من الهجرة النبوية، وأسأل الله أن يعين على إتمام البقية على الوجه الذي يرضيه وأن يجعل هذا العمل سهما صائبا في سبيله وأن يجعله رفعا لهمم المؤمنين وغيظا وحسرة في قلوب الكافرين والحمد لله رب العالمين.
عبدالله الحاج