فلما سمع بهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر بحفر الخندق وأشار به سلمان الفارسي وكان أول مشهد شهده مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يومئذ حر فعمل فيه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رغبة في الأجر وحثًا للمسمين وتسلل عنه جماعة من المنافقين بغير علم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأنزل الله في ذلك: {قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا} [النور: 63] . الآية.
وكان الرجل من المسلمين إذا نابته نائبة لحاجة لابد منها يستأذن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيقضي حاجته ثم يعود فأنزل الله تعالى: {إنَّمَا المُؤمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ} الآية الفتح 15.
وقسم الخندق بين المسلمين.
فاختلف المهاجرون والأنصار في سلمان كل يدعيه أنه منهم فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: سلمان منا سلمان من أهل البيت.
وجعل لكل عشرة أربعين ذراعًا فكان سلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن وعمرو بن عوف وستة من الأنصار يعملون فخرجت عليهم صخرة كسرت المعول فأعلموا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهبط إليها ومعه سلمان فأخذ المعول وضرب الصخرة ضربة صدعها وبرقت منها برقة أضاءت ما ين لابتي المدينة فكبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمسلمون ثم الثانية كذلك ثم الثالثة كذلك ثم خرج وقد صدعها فسأله سلمان عما رأى من البرق فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"أضاءت الحيرة وقصور كسرى في البرقة الأولى وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها وأضاء لي في الثانية القصور الحمر من أرض الشام والروم وأخبرني أن أمتي ظاهرة عيها وأضاء لي في الثالثة قصور صنعاء وأخبرني أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا"فاستبشر المسلمون.
وقال المنافقون: ألا تعجبون يعدكم الباطل ويخبركم أنه ينظر من يثرب الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم لا تستطيعون أن تبرزوا فأنزل الله: {وَإذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إلاّ غُرُورًا} [الأحزاب: 12] . فأقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف وزغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تابعهم من كنانة وتهامة وأقبلت غطفان ومن تابعهم حتى نزلوا إلى جنب أحد وخرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمسلمون فجعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف فنزل هناك ورفع الذراري والنساء في الآطام.
وخرج حيي بن أخطب حتى أتى كعب بن أسد سيد قريظة وكان قد وادع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على قومه فأغلق كعب حصنه ولم يأذن له وقال: إنك امرؤ مشؤوم وقد عاهدت محمدًا ولم أر منه إلا الوفاء.
قال حيي: يا كعب قد جئتك بعز الدهر وببحر طامٍ جئتك بقريش وقادتها وسادتها وغطفان بقادتها وقد عاهدوني أنهم لا يبرحون حتى يستأصلوا محمدًا وأصحابه.
قال كعب: جئتني بذل الدهر وبجهام قد هراق ماؤه يرعد ويبرق وليس فيه شيء ويحك يا حيي! دعني ومحمدًا.