وليلة قادسٍ لم يشعروا بي ولم أشعر بمخرجي الزحوفا
فإن أحبس فذلكم بلائي وإن أترك أذيقهم الحتوفا
فقالت له سلمى: في أي شيء حبسك فقال: والله ما حبسني بحرام أكلته ولا شربته ولكنني كنت صاحب شرابٍ في الجاهلية وأنا امرؤ شاعر يدب الشعر على لساني فقلت:
ولا تدفنني بالفلاة فإنني أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها فلذلك حبسني.
فلما أصبحت أتت سعدًا فصالحته وكانت مغاضبة له وأخبرته بخبر أبي محجن فأطلقه فقال: اذهب فما أنا مؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله.
قال: لا جرم والله لا أجيب لساني إلى صفة قبيح أبدًا! ذكر يوم عماس ثم أصبحوا اليوم الثالث وهم على مواقفهم وبين الصفين من قتلى المسلمين ألفان من جريحٍ وميتٍ ومن المشركين عشرة آلاف فجعل المسلمون ينقلون قتلاهم إلى المقابر والجرحى إلى النساء وكان النساء والصبيان يحفرون القبور وكان على الشهداء حاجب بن زيد.
وأما قتلى المشركين فبين الصفين لم ينقلوا وكان ذلك مما قوى المسلمين وبات القعقاع تلك الليلة يسرب أصحابه إلى المكان الذي فارقهم فيه من الأمس وقال: إذا طلعت الشمس فأقبلوا مائةً مائة فإن جاء هاشم فذاك وإلا جددتم للناس رجاء وجدًا ففعلوا ولا يشعر به أحد.
وأصبح الناس على مواقفهم فلما ذر قرن الشمس أقبل أصحاب القعقاع فحين رآهم كبر وكبر المسلمون وتقدموا وتكتبت الكتائب واختلفوا الضرب والطعن والمدد متتابع فما جاء آخر أصحاب القعقاع حتى انتهى إليهم هاشم فأخبر بما صنع القعقاع فعبى أصحابه سبعين سبعين وكان فيهم قيس بن هبيرة ابن عبد يغوث المعروف بقيس بن المكشوح المرادي ولم يكن من أهل الأيام إنما كان باليرموك فانتدب مع هاشم حتى إذا خالط القلب كبر وكبر المسلمون وقال: أول قتال المطاردة ثم المراماة ثم حمل على المشركين يقاتلهم حتى خرق صفهم إلى العتيق ثم عاد.
وكان المشركون قد باتوا يعملون توابيتهم حتى أعادوها وأصبحوا على مواقفهم وأقبلت الرجالة مع الفيلة يحمونها أن تقطع وضنها ومع الرجالة فرسان يحمونهم فلم تنفر الخيل منهم كما كانت بالأمس لأن الفيل إذا كان وحده كان أوحش وإذا أطافوا به كان آنس وكان يوم عماس من أوله إلى آخره شديدًا العرب والعجم فيه سواء ولا تكون بينهم نقطة إلا أبلغوها يزدجر بالأصوات فيبعث إليهم أهل النجدات ممن عنده فلولا أن الله ألهم القعقاع ما فعل في اليومين وإلا كسر ذلك المسلمين.
وقاتل قيس بن المكشوح وكان قد قدم مع هاشم قتالًا شديدًا وحرض أصحابه وقال عمرو بن معدي كرب: إني حاملٌ على الفيل ومن حوله لفيل بإزائه فلا تدعوني أكثر من جزر جزور فإن تأخرتم عني فقدتم أبا ثور يعني نفسه وأين لكم مثل أبي ثور! فحمل وضرب فيهم حتى ستره الغبار وحمل أصحابه فأفرج المشركون عنه بعدما صرعوه وإن سيفه لفي يده يصارمهم وقد طعن فرسه فأخذ برجل فرس أعجمي فلم يطق الجري فنزل عنه صاحبه إلى أصحابه وركب عمرو.