…و كان الشيخ عبد الظاهر أبو السمح قد كتب غلي مرارا يرغبني في التوجه إلى الحرمين و البقاء فيهما بعدما أصلح الله أحوالهما على يد الملك عبد العزيز آل سعود, و كنت في العراق أعيش أحسن معيشة فقد كان الشيخ مصطفى آل إبراهيم قد أنشأ لي مدرسة و جعل لي راتبا طيبا و تزوجت, فجاهدت نفسي إلى أن أرغمتها على البقاء في مكة و ترك ذلك كله مع أني حتى ذلك الحين لم أوعد بشيء و كان معي أخي محمد العربي الهلالي, و لما فارقني الشيخ مصطفى آل إبراهيم سلم لي مقدارا كبيرا من الدراهم و قال لي: وزعه على العلماء و طلبة العلم السلفيين فقلت في نفسي: أنا و أخي من طلبة العلم السلفيين أفلا يجوز لي أن آخذ لي و لأخي نصيبا من هذا المال؟ ثم قلت لنفسي: إن المتبرع بهذا المال يعرفك و يعرف أخاك و يعلم أنكما محتاجتن فلو أراد أن يجعل لكما نصيبا منه لصرح بذلك فالاحتياط و الأخذ بالعزيمة يقتضي بتوزيع المال كله و أن لا تأخذ لنفسك و لا لأخيك منه شيئا فوزعته كله و لم آخذ شيئا.
…و كنت مع الشيخ مصطفى آل إبراهيم في ضيافة الملك عبد العزيز رحمه الله فلما سافر أقمت في الطبقة العليا من البيت الذي كان يسكنه الشيخ عبد الظاهر أبو السمح و تلك الطبقة مهجورة شديدة الحر فجاهدت نفسي على الصبر على تلك الحال, و كان مأمور الضيافة يسكن في الطبقة الأرضية فكنت أمر عليه فأسلم فلا يرد علي السلام إلا في بعض الأحيان.