…و ذكر مناقبه يفضي إلى التطويل الذي يجعل طبع الكتاب صعبا, و لكن لا بد أن أذكر مكرمة له لا أستطيع تركها و ذلك أنه حتم علي في تلك المدة أن لا آكل إلا عنده, و لما عزمت على السفر قال لي: لا تسافر فس السكة الحديدية إلى مدينة أعظم كرفان ذلك يشق عليك فهنا اثنان من أصحابنا يسافران على عربة تجرها الخيل في وسط الليل, فأردت أن أودعه فقال لي: لا بد أن أخرج لوداعك و أصر على ذلك فقام في نصف الليل و ذهب معي إلى المكان الذي فيه العربة, فوضع في كفي قرطاسا و ضم يدي عليه و قال لي: أستودع الله دينك و أمانتك و خواتيم عملك, زودك الله التقوى و يسر لك الخير حينما توجهت, و ظننت أن القرطاس ورقة مالية فوضعتها في يدي و ضممتها و قلت له: لست في حاجة فأخذ بيدي إلى أن بعدنا عن الرجلين و بكى بكاء شديدا و هو يقول: اقبل مني اقبل مني فاقشعر جلدي و ندمت على ما فعلت و قبلت تلك الورقة و تأثرت بما رأيته من بكاءه حتى أني حين طلع الفجر صليت الصبح إماما بالرفيقين فبكيت كثيرا في أثناء القراءة فالله يرحمه رحمة واسعة. و هذه القصيدة التائية في صفة رحلتي من المغرب إلى الهند:
……خليلي عوجا بي إلى كل ندوة……بها قول خير الرسل يروى بقوة
……و لا تقربا بي مجلس الرأي إنه……ضلال يحط لتابعيه بهوة
……على مجمع فيه كتاب غلهنا……يفسر تفسيرا بعلم و حكمة
……لدى ثلة قد نور الله قلبهم……و خصهم بالهدى أفضل نعمة
……فصانوا كتاب الله جل جلاله……عن اللغو و التحريف أسوأ بدعة
……و ردوا افتراء الخلف من ضل سعيهم……و قد فرقوا في شؤمهم خير شرعة
……و أصلوهم حرب الفرنج بهمة……كسيف صقيل في مضاء و لمعة
……إليهم أجوب البر و البحر آويا……لأنظر من فازوا بنور و نضرة
……و أقبس من أنوارهم علم سنة……و ذلك قصدي في اغترابي و هجرتي
……و أبعد عن أهل البدائع و الخنا……و أدرك روحا من عنائي و غربتي
……و ليس مرادي غربة البعد و النوى……و لكنها في الدين أعظم كربة