…و مضت على ذلك سنتان و أنا أقاسي ألم الربو و أبيت الليلي الطوال جالسا أسعل و ألهث, و كلما اشتدت نوبة الربو تخور عزيمتي و أقرر في نفسي أنني متى أقلعت عني هذه النوبة أذهب إلى القنصل الفنسي و أستسلم و أطلب العفو, لأني أعلم بواسطة الأطباء أن دوائي هو الهواء الناشف, و الأراضي الشمالية التي بأيدي الإسبنيين كلها رطبة قريبة من البحر الأبيض بحر الروم, و يسمى الآن عند الأوروبيين و من تبعهم بما معناه البحر الأبيض المتوسط و هو الذي عليه مراسي شمال المغرب و الجزائر و تونس و طرابلس ـ التي تسمى اليوم ليبيا ـ و الإسكندرية و بيروت و مراسي أوروباو البلاد التركية, فأعرض مكان في هذا القسم من المغرب لا يزيد طوله على ثلاثين ميلا و هو مستطيل من الغرب إلى الشرق, و لكني حين تزول عني نوبة الربو تعود إلي شجاعتي و تجلدي, بقيت على ذلك ثلاث سنينو نصف إلى أن يسر الله لي الرجوع إلى العراق و لم أستسلم, و تقدمت محاورتي مع القنصل الفرنسي في تطوان, و قد فررت من الرطوبة إلى غرناطة من بلاد الأندلس و أقمت فيها أربعة أشهر, و لكنها هي أيضا ليست بعيدة من البحر.