وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يجاوز حناجرهم» أي لا يقبل ولا يرتفع لأنّ من قرأ القرآن على غير ما أنزل الله تعالى ولم يراع فيه ما أجمع عليه: فقراءته ليست قرآنا وتبطل به الصلاة كما قرره ابن حجر في الفتاوى، وغيره، قال شيخ الإسلام: والمراد بالذين لا يجاوز حناجرهم: الذين لا يتدبرونه ولا يعملون به. ومن العمل به: تجويده وقراءته على الصفة المتلقاة من الحضرة النبوية الأفصحية. وقال الشيخ الشعراني في «الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر» ما نصّه: وقال في حديث البخاري في الذين يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم: اعلم أن من لم يكن وارثا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام تلاوة القرآن إنما يتلو حروفا ممثّلة في خياله حصلت له من ألفاظ معلّمه إن كان أخذه عن تلقين، أو من حروف كتابه إن كان أخذه عن كتابه، فإذا أحضر تلك الحروف في خياله ونظر إليها بعين
خياله ترجم اللسان عنها، فتلاها من غير تدبر ولا فهم ولا استبصار، بل لبقاء تلك الحروف في حضرة خياله، قال: فلهذا التالي أجر الترجمة لا أجر القرآن لأنه ما تلا المعاني، وإنما تلا حروفا تنزل من الخيال الذي هو في مقدّم الدماغ إلى اللسان فيترجم به، ولا يجاوز حنجرته إلى القلب الذي في صدره، فلا يصل إلى قلبه منه شيء» وأطال في ذلك. اه. قال في المصباح: «والحنجرة: فنعلة مجرى النّفس، والحنجور: فنعول بضم الفاء: الحلق» . اه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «مفتونة قلوبهم» أي مصروفة عن طريق الحق، بعيدة عن رحمة الله تعالى، والمعنى أن قلوب هؤلاء ومن يعجبهم شأنهم وطريقتهم مصروفة عن رحمة الله تعالى وعن الطريق الموصّل إليه تعالى: وهذا آخر ما يسّر الله جمعه من شرح هذا الحديث. قال في شرح القول المفيد: الأمر في الخبر محمول على النّدب، والنهي محمول على الكراهة إن حصلت المحافظة على صحة ألفاظ الحروف، وإلا فالأمر محمول على الوجوب، والنهي على التحريم اه. وقال الشيخ برهان الدين القلقيلي في شرحه على متن الجزرية بعد أن ذكر الحديث المارّ مع ما تيسر له من شرحه: وقد صحّ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سمّى قارئ القرآن بغير تجويد فاسقا، وهو مذهب إمامنا الشافعي رضي الله عنه لأنه قال: «إن صحّ الحديث فهو مذهبي واضربوا بقولي عرض الحائط» .
فقد اجتمعت الأمة المعصومة من الخطأ على وجوب التجويد من زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى زماننا، ولم يختلف فيه عن أحد منهم، وهذا من أقوى الحجج، وقد ذكر الشيخ أبو العز القلانسي في ذلك شعرا فقال:
يا سائلا تجويد ذا القرآن ... فخذ هديت عن أولي الإتقان
تجويده فرض كما الصلاة ... جاءت به الأخبار والآيات
وجاحد التجويد فهو كافر ... فدع هواه إنه لخاسر
وغير جاحد الوجوب حكمه ... معذّب وبعد ذاك إنّه
يؤتى به لروضة الجنّات ... كغيره من سائر العصاة
إذ الصلاة منهم لا تقبل ... ولعنة المولى عليهم تنزل
لأنهم كتاب ربّي حرّفوا ... وعن طريق الحق زاغوا فانتفوا
وقال الشمس ابن الجزري في نشره: «التجويد فرض على كل مكلّف» ثم قال رحمه الله تعالى: «وإنما قلت التجويد فرض لأنه متفق عليه بين الأئمة، بخلاف
الواجب فإنه مختلف فيه». وقال ابن غازي في شرحه على الجزرية: «ولم ينفرد ابن الجزري بذكر فرضية التجويد، فقد ذكر عن أبي عبد الله نضر بن الشيرازي مصنّف الموضح، وعن الفخر الرازي، وعن جماعة من شيوخه أيضا، ووافقه على ذلك الحافظ جلال الدين السيوطي في الإتقان، والحافظ أحمد القسطلاني الخطيب في لطائف الإشارات، وذكره النويري في شرحه على الطيبة، وذكره قبله مكي بن أبي طالب، وأبو عمرو الداني وغيرهم من المشايخ العالمين بتحقيق القراءات وتدقيقها حسبما وصل إليهم من الحضرة النبوية الأفصحية. وإنما تركت نصوصهم مع القدرة عليها بعون الله اكتفاء بما ذكرته عن ابن الجزري. وكان شيخنا الشيخ نور الدين المنزلي يقول: لا يجوز لشيخ أن يقدم على إقراء الناس حتى يعرف ثلاثة علوم: علم الرسم، وعلم التجويد، وعلم القراءات. ويعلّل بأنه ربما رأى شيئا في المصاحف من الرسم المجمع عليه فيغيّره، وربما رأى قراءة تخالف محفوظه فيغيّرها، فيحرم عليه. وقال بعض شراح الجزرية في قوله: