إن قلت: أليس يستثنى من الإجماع المذكور قوله: {مَنْ رََاقٍ} [القيامة: الآية 27] فإنّ حفصا لا يدغم النون في الراء هنا بل يسكت على «من» ثم يقول: {رََاقٍ} ؟ قلت: لا يستثنى لأن إدغامهما فيهما إنما يكون عند ملاقاتهما إياهما، والسكتة تمنع الملاقاة،
وتفصل بين الحرفين، فلو لم يسكن حفص هنا لأدغم البتة. ووجه إدغامهما فيهما: قرب مخرجهن لأنهن من حروف طرف اللسان، أو كونهن من مخرج واحد على رأي الفرّاء، وكلّ منهما يستلزم الإدغام، وأيضا لو لم يدغما فيهما لحصل الثقل لاجتماع المتقاربين أو المتجانسين فبالإدغام يحصل الخفة لأنه يصير في حكم حرف واحد. ووجه حذف الغنة المبالغة في التخفيف لأن بقاءها يورث ثقلا ما. وسبب ذلك قلبهما حرفا ليس فيه غنّة ولا شبيها بما فيه غنة، واختير عدم الغنة حيث لم تثبت النون رسما نحو {أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ} [الكهف: الآية 48] و {أَلَّنْ نَجْمَعَ} [القيامة: الآية 3] و {أَلََّا تَزِرُ وََازِرَةٌ} [النّجم: الآية 38] و {أَلََّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ} [طه: الآية 89] و {أَلََّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللََّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ} [هود: الآية 2] ونحو {إِلََّا تَنْصُرُوهُ} [التّوبة: الآية 40] و {إِلََّا تَنْفِرُوا} [التّوبة: الآية 39] فإن ثبتت النون في الرسم نحو {أَنْ لََا مَلْجَأَ} [التّوبة: الآية 118] و {أَنْ لََا يَقُولُوا} [الأعراف: الآية 169] كما سيأتي بيان ذلك في المقطوع والموصول جاز إدغامها في اللام وإظهار الغنة معها، ولو وقعت النون الساكنة قبل اللام والراء في كلمة لكانت مظهرة لئلا يلتبس بالمضاعف، ولم يقع ذلك في القرآن.
ومعناه لغة: تحويل الشيء عن وجهه يقال قلبه أي حوّله عن وجهه. واصطلاحا:
جعل حرف مكان آخر. وقال بعضهم: هو عبارة عن قلب مع إخفاء لمراعاة الغنة، والمراد هنا قلب النون الساكنة والتنوين ميما مخفاة قبل الباء الموحدة مع بقاء الغنة الظاهرة، وهذا بإجماع القراء كما صرّح به في التيسير سواء كانت النون مع الباء في كلمة أو كلمتين. والتنوين لا يكون إلا من كلمتين، وذلك نحو {أَنْبِئْهُمْ} [البقرة: الآية 33] و {أَنْ بُورِكَ} [النّمل: الآية 8] و {سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحجّ: الآية 61] . قال ابن الجزري في النشر: فلا فرق حينئذ في اللفظ بين {أَنْ بُورِكَ} [النّمل: الآية 8] وبين {يَعْتَصِمْ بِاللََّهِ} [آل عمران: الآية 101] إلا أنه لم يختلف في إخفاء الميم المقلوبة عند الباء ولا في إظهار الغنة في ذلك بخلاف الميم الساكنة يعني أنه وقع اختلاف في إخفائها مع إظهار غنتها فذهب الجمهور إلى ذلك، وذهب البعض إلى إظهارها مع إخفاء غنتها كما سيأتي. ولا تشديد في ذلك لأنه بدل لا إدغام فيه إلا أنّ فيه غنة لأن الميم الساكنة من الحروف التي تصحبها الغنة. قال المرعشي: والظاهر أن معنى إخفاء الميم ليس إعدام ذاتها بالكلية، بل إضعافها وستر ذاتها في الجملة بتقليل الاعتماد على مخرجها وهو الشفتان لأن قوة الحرف وظهور ذاته إنما هو بقوّة الاعتماد على مخرجه، وهذا كإخفاء الحركة في قوله:
{لََا تَأْمَنََّا} [يوسف: الآية 11] إذ ذلك ليس بإعدام الحركة بالكلية بل بتبعيضها، وسيأتي.
وبالجملة إن الميم والباء يخرجان بانطباق الشفتين، والباء أدخل وأقوى انطباقا كما سبق في بيان المخارج، فتلفظ بالميم في نحو {أَنْ بُورِكَ} [النّمل: الآية 8] بغنّة ظاهرة وبتقليل انطباق الشفتين جدّا، ثم تلفظ بالباء قبل فتح الشفتين بتقوية انطباقهما، وتجعل المنطبق من الشفتين في الباء أدخل من المنطبق في الميم فزمان انطباقهما في {أَنْ بُورِكَ}
[النّمل: الآية 8] أطول من زمان انطباقهما في الباء لأجل الغنة الظاهرة حينئذ في الميم إذ الغنة الظاهرة يتوقف تلفظها على امتداد، ولو تلفظت بإظهار الميم هنا لكان زمان انطباقهما فيه كزمان انطباقهما في الباء لإخفاء الغنة حينئذ، ويقوى انطباقهما في إظهار الميم فوق انطباقهما في إخفائه لكن دون قوة انطباقهما في الباء إذ لا غنة في الباء أصلا بخلاف الميم الظاهرة فإنها لا تخلو عن أصل الغنة وإن كانت خفية، والغنة تورث الاعتماد ضعفا. ووجه قلبهما ميما عند الباء أنه لم يحسن الإظهار لما فيه من الكلفة من أجل الاحتياج إلى إخراج النون والتنوين من مخرجهما على ما يجب لهما من التصويت بالغنة، فيحتاج الناطق بهما إلى فتور يشبه الوقف، وإخراج الباء بعدهما من مخرجها يمنع من التصويت بالغنة من أجل انطباق الشفتين بها أي بالباء، ولم يحسن الإدغام للتباعد في المخرج والمخالفة في الجنسية حيث كانت النون حرفا أغنّ، وكذلك التنوين، والباء حرف غير أغنّ، وإذا لم تدغم الميم في الباء لذهاب غنتها بالإدغام مع كونها من مخرجها فترك إدغام النون فيها مع أنها ليست من مخرجها أولى، ولم يحسن الإخفاء كما لم يحسن الإظهار والإدغام لأنه بينهما، ولمّا لم يحسن وجه من هذه الأوجه أبدل من النون والتنوين حرف يؤاخيهما في الغنة والجهر، ويؤاخي الباء في المخرج والجهر وهو الميم، فأمنت الكلفة الحاصلة من إظهار النون قبل الباء [اه. شرح التحفة للميهي] .