اعلم أن المخارج للحروف بمثابة الموازين تعرف بها مقاديرها، والصفات بمثابة الناقد الذي يميّز الجيد من الرديء. فببيان مخرج الحرف تعرف كميته أي مقداره، فلا يزاد فيه ولا ينقص وإلا كان لحنا، وببيان الصفة تعرف كيفيته أي عند النطق به من سليم الطبع كجري الصوت وعدمه، وتحقيق ذلك أن الهواء الخارج من داخل الرئة وهو موضع النفس وللقلب كالغشاء إن خرج بدفع الطبع من غير أن يسمع: يسمّى نفسا بفتح الفاء، وإن خرج بالإرادة وعرض له تموّج يسمع بسبب تصادم جسمين: سمّي صوتا، وإن عرض للصوت كيفيات مخصوصة بسبب اعتماده على مقطع أي مخرج محقق وهو الذي ينقطع فيه الصوت كجزء من الحلق أو اللسان أو الشفتين أو الخيشوم، أو مخرج مقدّر وهو الذي لم ينقطع فيه الصوت، بل قدّروا له جوف الحلق والفم: سمّي ذلك الصوت حروفا. وإن عرض للحروف كيفيات أخر في الواقع بسبب نحو جري الصوت وعدمه وقوّة الاعتماد على المخرج وعدمها: سميت تلك الكيفيات صفات. ثم إن النفس الخارج الذي هو صفة حروف إن تكيّف بكيفية الصوت حتى يحصل صوت قوي كان الحرف مجهورا، وإن بقي بعضه بلا صوت يجري مع الحرف: كان الحرف مهموسا، وأيضا إذا انحصر صوت الحرف في مخرجه انحصارا تامّا فلا يجري جريانا أصلا يسمى شديدا فإنك لو وقفت على قولك «الحج» وجدت صوتك راكدا محصورا، حتى لو أردت مد صوتك لم يمكنك، وأما إذا جرى الصوت جريانا تامّا ولم ينحصر أصلا فإنه يسمى رخوا كما في «الطش» فإنك لو وقفت عليها وجدت صوت الشين جاريا تمدّه إن شئت، وأما إذا لم يتم الانحصار ولا الجري فيكون متوسطا بين الشدة والرخاوة كما في «الظل» فإنك لو وقفت عليه وجدت الصوت لا يجري مثل جري «الطش» ، ولا ينحصر مثل انحصار
«الحج» ، بل يخرج على حد الاعتدال بينهما، وقس على ذلك البواقي. [اه. ملا علي مع بعض زيادة] .
ثم اعلم أن لهذا الصفات ثلاث فوائد:
تميّز الحروف المشتركة في المخرج. قال ابن الجزري: كل حرف شارك غيره في مخرج فإنه لا يمتاز عنه إلا بالصفات، وكلّ حرف شارك غيره في صفات فإنه لا يمتاز عنه إلا بالمخرج، ولولا ذلك لاتّحدت أصوات الحروف في السمع، فكانت كأصوات البهائم لا تدل على معنى، ولما تميّزت ذواتها، وهذا معنى قول المازني: إذا همست وجهرت وأطبقت وفتحت اختلفت أصوات الحروف التي من مخرج واحد. وقال الرماني وغيره: لولا الإطباق، لصارت الطاء دالا لأنه ليس بينهما فرق إلا الإطباق، ولصارت الظاء ذالا، ولصارت الصاد سينا.
الفائدة الثانية:
معرفة القوي من الضعيف ليعلم ما يجوز أن يدغم وما لا يجوز فإن ما له قوة ومزية على غيره لا يجوز أن يدغم في ذلك الغير لئلا تذهب تلك المزية كما سيأتي بيان ذلك في محله إن شاء الله تعالى.
الفائدة الثالثة:
تحسين لفظ الحروف المختلفة المخارج فقد اتضح لك بهذا أن ثمرات معرفة الصفات التمييز والتحسين ومعرفة القوة والضعف فسبحان من دقت في كل شيء حكمته.
لطيفة:
روي أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى ناظر معتزليّا فقال له: قل:
باء، فقال: باء، فقال: قل: حاء، فقال: حاء، فقال: بيّن مخرجيهما، فبيّنهما، فقال:
إن كنت خالقا فعلك فأخرج الباء من مخرج الحاء، فبهت المعتزلي وانصرف.[انتهى.
شرح الملا علي].
اعلم أنّ الصفات جمع صفة. وهي لغة: ما قام بالشيء من المعاني كالعلم والسواد. ولم يريدوا بالصفة معنى النعت كما أراده النحويون مثل اسم الفاعل والمفعول أو ما يرجع إليها من طريق المعنى نحو مثل وشبه. واصطلاحا: كيفية عارضة للحرف عند حصوله في المخرج من الجهر والرخاوة والهمس والشدة ونحوها، وبذلك يتميز
بعض الحروف المتحدة في المخرج عن بعض فهي لفظ يدل على معنّى في موصوفه إما باعتبار محله أو باعتبار ذاته فالأول كالجوفية والحلقية واللهوية إلى آخر ما تقدم في التتمة، والثاني كالجهر والهمس وأمثالهما من كل صفة لازمة للحرف في جميع أحواله، أي سواء كان ساكنا أو محرّكا بأي حركة.