[اه. تحفة الطالبين لابن غازي] .
فائدة: الأخذ عن الشيوخ على نوعين: أحدهما: أن يسمع من لسان المشايخ، وهو طريقة المتقدمين. وثانيهما: أن يقرأ في حضرتهم وهم يسمعونها، وهذا مسلك المتأخرين. واختلف أيهما أولى، والأظهر أن الطريقة الثانية بالنسبة إلى أهل زماننا أقرب إلى الحفظ. نعم الجمع بينهما أعلى لما ذكر في المصابيح أنه جرت السّنّة بين القراء أن يقرأ الأستاذ ليسمع التلميذ، ثم يقرأ التلميذ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبيّ بن كعب رضي الله عنه: «إنّ الله أمرني أن أقرأ القرآن عليك» والمراد من قراءته صلى الله عليه وسلم القرآن على أبيّ تعليمه وإرشاده، وهو أوّل الصحابة وأشدهم استعدادا لتلقّف القرآن منه صلى الله عليه وسلم كتلقفه عليه الصلاة والسلام من أمين الوحي، فلذلك خصّ بذلك. اه. فتنبه يا أخي وأيقظ همّتك وحرّك عزيمتك، واستعدّ لفهم ما يلقى إليك، وقبول ما يملى عليك فإن الناس في قراءة القرآن بين محسن مأجور، ومسيء آثم أو معذور فانظر ممن أنت فإن كنت ممن هو محسن فاشكر الله تعالى فإنك مأجور، وإن كنت ممن هو مستغن بنفسه مستبد برأيه وحدسه متّكل على ما ألفه من حفظه، مستكبر عن الرجوع إلى عالم يوقّفه على تصحيح لفظه، فلا شك أنك مقصّر مغرور ومسيء آثم غير معذور، فإن كنت ممن لا يطاوعه اللسان، أو لا يجد من يهديه إلى الصواب بالبيان: فاعلم أن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، لكن يجب عليك أن تجتهد جهدك لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمرا فإن العمل بالتجويد فرض عين لازم لكل من يقرأ شيئا من القرآن لا سيما في الصلاة لأن الله تعالى أنزله بالتجويد حيث قال: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمّل: الآية 4] أي جوّده تجويدا، فإن كان التجويد فرضا فيه، يكون ما ينافيه وهو اللحن حراما فيه.[اه.
بركوي].
قال في شرح القول المفيد: اعلم أن قراءة القرآن تنقسم إلى أربعة أقسام: تحقيق، وحدر، وتدوير، وترتيل.
فأما التحقيق: فهو مصدر من حقّقت الشيء تحقيقا إذا بلغت يقينه، ومعناه:
المبالغة في الإتيان بالشيء على حقيقته من غير زيادة فيه ولا نقص عنه فهو بلوغ حقيقة الشيء، والوقوف على كنهه، والوصول إلى نهاية شأنه، وهو عند أهل هذا الفن عبارة عن إعطاء الحروف حقّها من إشباع المد، وتحقيق الهمز، وإتمام الحركات، وتوفية
الغنّات، وتفكيك الحروف وهو بيانها وإخراج بعضها من بعض بالسكت والترسّل والتّؤدة والوقف على الوقوف الجائزة، والإتيان بالإظهار والإدغام على وجهه، وهو مذهب ورش من غير طريق الأصبهاني عنه، وحمزة، وعاصم، وهو الذي يستحسن، ويستحب الأخذ به للمعلمين من غير أن يتجاوز فيه إلى حد الإفراط من تحريك السواكن وتوليد الحروف من إشباع الحركات وتكرير الراءات وتطنين النونات بالمبالغة في الغنّات، إلى غير ذلك مما تنفر عنه الطباع، وتمجّه القلوب والأسماع.