فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 259

وينبغي للمقرئ أن يتخلق بالأخلاق الحميدة المرضيّة من الزهد في الدنيا والتقلل منها، وعدم المبالاة بها وبأهلها، والسخاء، والحلم، والصبر، ومكارم الأخلاق، وطلاقة الوجه من غير خروج إلى حد الخلاعة، وملازمة الورع، والخشوع، والسكينة، والوقار، والتواضع، والخضوع. وينبغي له تحسين هيئته وليحذر من الملابس المنهيّ عنها، ومما لا يليق بأمثاله، ويجلس غير متكئ، مستقبل القبلة، متطهرا طهارة كاملة، خصوصا إذا كان معلما للصبيان لأنه يحتاج إلى مس المصحف والألواح، وينبغي له أن يزيل نتن إبطيه أو ما له رائحة كريهة بما أمكن له، ويمسّ من الطّيب ما يقدر عليه، ولا يعبث بلحيته، ولا بغيرها، وليحفظ بصره عن الالتفات إلا لحاجة، وليكن متدبرا في معاني القرآن، ساكن الأطراف إلا إذا احتاج إلى إشارة للقارئ، فيضرب بيده الأرض ضربا خفيفا، أو يشير بيده أو برأسه ليفطن القارئ لما فاته، ويصبر عليه حتى يتفكر، فإن

تذكّر وإلا أخبره بما ترك. وليحذر كلّ الحذر من الرياء والحسد والحقد والغيبة، واحتقار غيره وإن كان دونه، والعجب، وقلّ من يسلم منه.

ويستحب له أن يوسّع مجلسه ليتمكّن جلساؤه فيه لما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «خير المجالس أوسعها» ، وليقدّم الأوّل فالأوّل، فإن رضي الأول بتقديم غيره قدّمه. وينبغي له القيام من مجلسه لمن يستحق الإكرام من طلبته رضي الأول بتقديم غيره قدّمه. وينبغي له القيام من مجلسه لمن يستحق الإكرام من طلبته وغيرهم استمالة لقلوبهم على حسب ما يراه فقد كان نافع يقوم لابن جمّاز إذا رآه، ويرفع قدره ويجلّ منزلته، لأنه كان رفيقه في القراءة على أبي جعفر ثم قرأ عليه. وينبغي له أن يسوّي بين الطلبة بحسبهم، إلا أن يكون أحدهم مسافرا أو يتفرّس فيه النجابة أو غير ذلك.

ويجوز له الإقراء في الطريق قال الرميلي في شرحه على الدرة: «لا نعرف أحدا أنكر ذلك إلا ما روي عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه قال: «ما أعلم القراءة تكون في الطريق» . وكان الشيخ علم الدين السخاوي وغيره يقرءون في الطريق. وروى ابن أبي داود عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه كان يقرئ في الطريق. وعن عمر بن عبد العزيز أنه أذّن فيها. قال الشيخ محيي الدين النووي: «وأما القراءة في الطريق فالمختار أنها جائزة غير مكروهة إذا لم يلته صاحبها، فإن التهى عنها كرهت كما كره النبيّ صلى الله عليه وسلم القراءة للناعس محافظة من الغلط» .

قال الرميلي في شرحه على الدرة: «وقد قرأت على الشيخ شمس الدين بن الصائغ غير مرة تارة أكون أنا وهو ماشيين، وتارة يكون هو راكبا على البغلة وأنا ماش» . وقال ابن عطاء بن السائب: «كنا نقرأ على أبي عبد الرّحمن السلمي وهو يمشي» قال السخاوي عقب هذا: «وقد عاب قوم علينا الإقراء في الطريق، ولنا في أبي عبد الرحمن أسوة، كيف وقد كان لمن هو خير منّا قدوة» اه.

*وأما آداب المتعلم

: فيجب عليه أن يخلص نيّته، ثم يجدّ في قطع ما يقدر عليه من العلائق والعوائق الشاغلة عن تمام مراده، وليبادر في شبابه وأوقات عمره للتحصيل، ولا يغترّ بخدع التسويف فهذه آفة الطالب، وأن لا يستنكف عن أحد وجد عنده فائدة، وليقصد شيخا كملت أهليته وظهرت ديانته، جامعا لتلك الشروط المتقدمة أو أكثرها، فإذا دخل عليه فليكن كامل الحال متنظفا متأدبا. ويجب عليه أن ينظر شيخه بعين الاحترام، ويعتقد كمال أهليته ورجحانه على نظرائه، فهو أقرب إلى انتفاعه ورسوخ ما يسمعه منه في ذهنه. قال إمامنا الشافعي رحمه الله تعالى: «كنت أتصفح الورق بين يدي مالك رحمه الله تصفحا رفيقا هيبة له لئلا يسمع وقعها» . وقال الربيع

صاحب الشافعي: «ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليّ هيبة له» . فإن وقع من شيخه نقص فليجعل النقص من نفسه بأنه لم يفهم قول الشيخ. وقال السادة الصوفية: «من لم ير خطأ شيخه خيرا من صواب نفسه لم ينتفع» وكان بعضهم إذا ذهب إلى شيخه يتصدّق بشيء ويقول: اللهم استر عيب معلّمي عنّي ولا تذهب بركة علمه منّي. قال ابن غازي: وحيث عرفت فضل قرّاء القرآن والثواب المترتب لهم فينبغي لك تعظيمهم واحترامهم والقيام بمصالحهم واعتقاد صلاحهم والتأدّب في حقهم، فيتأدّب الشخص معهم كما يتأدّب في حضرة النبيّ صلى الله عليه وسلم لو كان موجودا لأنهم ورثوه من غير اجتهاد كما تلقّي من الحضرة النبوية، بخلاف غيرهم من العلماء فإن المتعلم يتأدب معهم كما يتأدّب مع والده لأن العلم مأخوذ بالاجتهاد. قال الشيخ شرف الدين العمريطي في نظمه للأجرومية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت