وسئل ابن حجر عن حديث: «يقال لصاحب القرآن: «اقرأ وارق الخ» من المخصوص بهذه الفضيلة؟ هل هو من يحفظ القرآن في الدنيا عن ظهر قلب ومات كذلك؟ أم يستوي فيه هو ومن يقرأ في المصحف؟ فأجاب بقوله: الخبر المذكور خاصّ بمن يحفظه عن ظهر قلب لا من يقرأ في المصحف لأن مجرد القراءة في الخط لا يختلف الناس فيها ولا يتفاوتون قلة وكثرة، وإنما الذي يتفاوتون فيه هو الحفظ لا يختلف الناس فيها ولا يتفاوتون قلة وكثرة، وإنما الذي يتفاوتون فيه هو الحفظ عن ظهر قلب، فلهذا تتفاوت منازلهم في الجنة بحسب تفاوت حفظهم، ومما يؤيد ذلك أنّ حفظ القرآن عن ظهر قلب فرض كفاية على الأمة، ومجرد القراءة في المصحف من غير حفظ لا يسقط بها الطلب فليس لها كثير فضل كفضل الحفظ، فتعيّن أنه أعني الحفظ عن ظهر قلب هو المراد في الخبر، وهذا ظاهر من لفظ الخبر بأدنى تأمل. اه.
وقال صلّى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه: «يا معاذ إن أردت عيش السعداء، وميتة الشهداء، والنجاة يوم الحشر، والأمن يوم الخوف، والنور يوم الظلمات، والظلّ يوم الحرور، والريّ يوم العطش، والوزن يوم الخفة، والهدي يوم الضلال، فادرس القرآن فإنه ذكر الرحمن، وحرز من الشيطان، ورجحان في الميزان» أخرجه الديلمي [اه. ابن غازي] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «لا حسد إلا في اثنتين:
رجل علّمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له، فقال: يا ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالا فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: يا ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل» رواه البخاري، والمراد بالحسد هنا الغبطة وهو تمنّي مثل ما للمحسود لا تمني زوال النعمة عنه فإن ذلك هو الحسد المذموم نعوذ بالله منه.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يهولهم الفزع الأكبر، ولا ينالهم الحساب، هم على كثيب من مسك حتى يفرغ من حساب الخلائق:
رجل قرأ القرآن ابتغاء وجه الله وأمّ به قوما هم به راضون، وداع يدعو إلى الصلاة ابتغاء وجه الله، وعبد أحسن فيما بينه وبين ربه وفيما بينه وبين مواليه» رواه الطبراني في الأوسط والصغير بإسناد لا بأس به، ورواه في الكبير بنحوه.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرّم الله وجهه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:
«من قرأ القرآن فاستظهره، فأحلّ حلاله وحرّم حرامه، أدخله الله به الجنة، وشفّعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت لهم النار» رواه ابن ماجة والترمذي، واللفظ له، وقال: حديث غريب [اه. ابن غازي] .
هذا بعض ما ورد في فضل القرآن العظيم وفضل أهله.
فقال السيد محمد حقي في خزينة الأسرار: روى البخاري وأبو داود والترمذي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» . وفي رواية البيهقي: «إن أفضلكم من تعلّم القرآن وعلّمه» . وفي رواية عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «خيركم من قرأ القرآن وأقرأه» اه. يعني أن خير الكلام كلام الله تعالى، وكذلك خير الناس بعد النبيين من تعلّم القرآن وعلّمه، أي واختار قراءته على غير كلام الله تعالى، وكان الإمام أبو عبد الرحمن السلمي التابعي الجليل يقول حين يروى هذا الحديث عن عثمان بن عفان: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» هذا الذي أقعدني مقعدي هذا يشير إلى كونه جالسا في المسجد
الجامع بالكوفة يعلّم القرآن ويقرئه مع جلالة قدره وكثرة علمه وحاجة الناس إلى علمه، وهو يقرئ الناس بجامع الكوفة أكثر من أربعين سنة، وعليه قرأ الحسن والحسين رضي الله عنهما، وكذا كان السلف رحمهم الله تعالى لا يعدلون بإقراء القرآن شيئا.