للميم الاستفال مع جهر كذا ... وسط وفتح ثم إذلاق خذا
اعلم أن الميم حرف أغنّ، وتظهر غنّته من الخيشوم إذا كان مدغما أو مخفى، والميم أخت الباء لأن مخرجهما واحد، فلولا الغنة التي في الميم وبعض الجريان الذي معها لكانت باء، والميم أيضا مؤاخية للنون في الغنّة التي هي في كل منهما ولأنهما مجهورتان، ولذلك أبدلت العرب إحداهما من الأخرى فقالوا: (غين) و (غيم) ، وقالوا في الغاية: الندى والمدى، فإن أتى محرّكا فليحذر من تفخيمه ولا سيما إذا كان بعده حرف مفخّم نحو {مَخْمَصَةٍ} [المائدة: الآية 3] و {مَرَضٌ} [البقرة: الآية 10] و {مَرْيَمَ} [البقرة: الآية 87] و {وَمَا اللََّهُ بِغََافِلٍ} [البقرة: الآية 74] وغيرها فإن أتى بعده ألف كان الحذر من التفخيم آكد فكثيرا ما يجري ذلك على الألسنة خصوصا الأعاجم نحو {مََالِكِ} [الفاتحة: الآية
4]و {مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [المائدة: الآية 64] و {وَمََا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} [النساء: الآية 60، وغيرها] .
وإذا كان ساكنا فله ثلاثة أحكام، وسيأتي ذكرها في آخر باب الإظهار والإدغام اه.
اعلم أن الحرف المشدد هو في الحقيقة حرفان أوّلهما ساكن وثانيهما متحرك، ولذلك يقوم في وزن الشعر مقام حرفين، فيجب على القارئ أن يبيّنه حيث وقع، ويعطيه حقّه لأنه إن فرّط في تشديده حذف حرفا من تلاوته، ويتأكد الاعتناء ببيان ذلك إذا لقي الحرف المشدّد حرفا يماثله نحو {حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام: الآية 91] و {الْحَقِّ قُلِ اللََّهُ} [يونس: الآية 35] و {مِنَ الْيَمِّ مََا غَشِيَهُمْ} [طه: الآية 78] و {قُلِ اللََّهُمَّ مََالِكَ الْمُلْكِ} [آل عمران: الآية 26] و {وَظَلَّلْنََا عَلَيْهِمُ} [الأعراف: الآية 160] فإن البيان في ذلك آكد لزيادة الثقل باجتماع ثلاثة أمثال، فينبغي أن يخلص بيانه من غير قطع الأوّل، ولصعوبة ذلك أشار الإمام السخاوي في نونيته فقال:
وبيّن الحرف المشدّد موضحا ... مما يليه إذا التقى المثلان
كاليمّ ما والحقّ قل ومثال ظل ... لنا لكيما يظهر الأخوان
فإن كان الحرف المماثل مشددا نحو {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللََّهَ} [المائدة: الآية 56] و {قُلْ لِلَّذِينَ} [آل عمران: الآية 12] فيكون أولى بالبيان لما فيه من اجتماع أربعة أمثال، وقد تجتمع ثلاث مشددات متواليات، وهو قليل في القرآن وفي الكلام، وإنما يأتي في الوصل من كلمتين أو أكثر نحو قوله: {وَعَلى ََ أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ} [هود: الآية 48] فهذه ثلاثة أحرف مشدّدات متواليات قائمة مقام ستة أحرف، قبلها ميمان خفيفان في {أُمَمٍ}
[الأحقاف: الآية 18] ، فيجتمع في لفظ ذلك إذا وصل ثمان ميمات متواليات اجتمعت من أصل ومن إدغام، فيجب على القارئ أن يتحفظ في ذلك غاية التحفظ. قال مكي: ولا أعلم له نظيرا في القرآن [اه. شارح نونية السخاوي] .
وفي المرعشي نقلا عن الرعاية أن المشدّدات على ثلاثة أضرب: ضرب فيه ما يزيد تشديده وهو الراء المشددة لأن إخفاء تكريرها يزيد في تشديدها فوق تشديد سائر الحروف. وقال فيها أيضا: إذا كان الحرف المشدّد راء وجب على القارئ أن يشدّدها تشديدا بالغا ويخفي تكريرها فإخفاء التكرير كأنه زيادة في التشديد لأن إخفاء التكرير يحتاج إلى شدّة لصق اللسان على أعلى الحنك كما نقل عن الجعبري اه.
قال المرعشي: وينبغي أن يزاد في هذا الضرب اللام المفخمة في اسم الله عزّ وجلّ ولما نقل عن الرعاية أنه إذا كان المشدّد مفخما للتعظيم والإجلال نحو قََالَ
اللََّهُ [آل عمران: الآية 55] وشبهه وجب على القارئ أن يظهر التشديد إظهارا متمكنا ليظهر التفخيم في اللام. وليس في كلام العرب لام أظهر تفخيما وأشدّ تعظيما من اللام في اسم الله عزّ وجلّ لأنه فخّم لإرادة التعظيم والإجلال، وذلك إذا كان قبل اللام فتح أو ضمّ.