والله الكريم أسأل، وبجاه نبيه العظيم أتوسل، أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وسببا للفوز بجنات النعيم، وأن ينفع بها النفع العميم، كلّ من تلقّاها بقلب سليم، ويجعلها تذكرة لنفسي في حياتي، وأثرا باقيا حسنا لي بعد وفاتي، فلا تكن يا أخي ممن إذا رأى صوابا أخفاه، وإذا وجد خطأ نادى عليه وأبداه، نعوذ بالله من قوم إذا سمعوا خيرا أسرّوه، أو شرّا أذاعوه فإن الإنسان محلّ النسيان، وقد تهفو الأمجاد، وقد يكبو
الجواد، والمحبّ يمدح، والعدوّ يقدح فالفطن تكفيه الإشارة، ولا ينفع الحسود تطويل العبارة، وعلى الله الكريم اعتمادي في بلوغ التكميل، وهو حسبي ونعم الوكيل، وهذا أول الشروع في المقصود بعون الملك المعبود.
وتشتمل على أربعة فصول وتتمة.
حكم التجويد:
قال ابن غازي في شرحه: «اعلم أن علم التجويد لا خلاف في أنه فرض كفاية، والعمل به فرض عين على كل مسلم ومسلمة من المكلفين، وقد ثبتت فرضيته بالكتاب والسنّة وإجماع الأمة.
: فقوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمّل: الآية 4] قال البيضاوي:
أي جوّده تجويدا. وقال غيره: أي ائت به على تؤدة وطمأنينة وتأمّل، ورياضة اللسان أي التكرار والمداومة على القراءة بترقيق المرقّق وتفخيم المفخّم وقصر المقصور ومد الممدود، وغير ذلك مما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في موضعه.
وقد جاء عن عليّ كرّم الله وجهه في قوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمّل:
الآية 4]أنه قال: الترتيل هو تجويد الحروف ومعرفة الوقوف. فإن قلت: من المعلوم أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن مجوّدا كما أنزل فما معنى أمره بالترتيل؟ قلت: الخطاب له صلى الله عليه وسلم، والمراد غيره كما في قوله تعالى: {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلََا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} (147) [البقرة:
الآية 147]على قول بعض المفسرين، وكقوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمََا أُمِرْتَ} [هود: الآية 112] {فَلََا تَكُونَنَّ مِنَ الْجََاهِلِينَ} [الأنعام: الآية 35] وشبه ذلك مما لا يخفى على ذي بصيرة. ولم يقتصر سبحانه وتعالى على الأمر بالفعل حتى أكده بالمصدر اهتماما به وتعظيما لشأنه وترغيبا في ثوابه، وليكون ذلك عونا على تدبّر القرآن وتفهّمه.
وأما السنّة
فمنها قوله صلى الله عليه وسلم: «ربّ قارئ للقرآن والقرآن يلعنه» أي إذا أخلّ بمبانيه أو معانيه أو بالعمل بما فيه. ومن جملة العمل بما فيه ترتيله وتلاوته حق تلاوته لأن الله
تعالى أنزله مجوّدا مرتلا، وقد وصل إلينا كذلك من المشايخ العارفين بتحقيقه وتدقيقه، المتصل سندهم بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، عن جبريل، عن اللوح المحفوظ، عن الله عزّ وجلّ [اه.