ومراده من قوله: وأن ينوى عليها الوقف: هو السكت كما أشار إليه أبو شامة عند قول الشاطبي: «وما أوّل المثلين فيه مسكّن» .
قال أبو الحسن في التذكرة: وينبغي لمن أثبت هاء السكت في {لَمْ يَتَسَنَّهْ}
[البقرة: الآية 259] و {كِتََابِيَهْ} [الحاقة: الآية 19] و {حِسََابِيَهْ} [الحاقة: الآية 20] و {مََالِيَهْ}
[الحاقة: الآية 28] و {سُلْطََانِيَهْ} [الحاقة: الآية 29] و {وَمََا أَدْرََاكَ مََا هِيَهْ} (10) [القارعة: الآية 10] أن يقف عليها في حال وصلها وقفة يسيرة ثم يصل، ولا خلاف بينهم في ثبوت الهاء حالة الوقف. [اه. باختصار] .
قال المرعشي في رسالته نقلا عن السيوطي: الابتداء لا يكون إلا اختياريا لأنه ليس كالوقف تدعو إليه ضرورة فلا يجوز إلا بمستقلّ بالمعنى موف بالمقصود. وهو في أقسامه كأقسام الوقف الأربعة تتفاوت تماما وكفاية وحسنا وقبحا بحسب تمام الكلام وعدم تمامه وفساد المعنى وإحالته نحو الوقف على قوله: {وَمِنَ النََّاسِ}
[البقرة: الآية 8] فإن الابتداء ب {النََّاسِ} قبيح لعدم إفادته معنى، وابتداء بقوله:
{وَمِنَ} تامّ لعدم تعلقه بما قبله لا لفظا ولا معنى، ولو وقف على {مَنْ يَقُولُ}
[البقرة: الآية 8] كان الابتداء ب {مِنَ} حسنا لتعلقه لفظا بالخبر المتقدم، والابتداء ب {يَقُولُ} أحسن لأن تعلق الصلة بالموصول أخفّ من تعلق المبتدأ بالخبر، وكذلك الوقف على قوله: {خَتَمَ اللََّهُ} [البقرة: الآية 7] قبيح والابتداء بلفظ الجلالة أقبح، وب {خَتَمَ} كاف، والوقف على {عُزَيْرٌ ابْنُ} [التّوبة: الآية 30] و {الْمَسِيحُ ابْنُ} [التوبة: الآية 30] قبيح، والابتداء ب {ابْنُ} أقبح، وب {عُزَيْرٌ}
و {الْمَسِيحُ} أشد قبحا.
وكذا الوقف على قوله: {يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيََّاكُمْ} [الممتحنة: الآية 1] حسن، والابتداء به قبيح لفساد المعنى إذ يصير تحذيرا من الإيمان. ونحو قوله: {لََا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي}
[يس: الآية 22] : الوقف على {لََا أَعْبُدُ} قبيح لعدم تمام الكلام، والابتداء به قبيح أيضا لكونه موهما للخطأ في المعنى.
ثم إن قبح الابتداء بالحرف الموقوف عليه إما لعدم كونه مفيدا لمعنى، وإما لكونه موهما للمعنى الفاسد، وإما لكونه هو مع ما بعده خطأ منقولا عن كافر.
فيجب على من انقطع نفسه على شيء من ذلك أن يرجع إلى ما قبله، ويصل الكلام بعضه ببعض، فإن لم يفعل أثم، وربما كفر والعياذ بالله تعالى إن قصد ذلك كما تقدم.
واعلم أن القارئ كما يضطر إلى الوقف القبيح يضطرّ إلى الابتداء القبيح أيضا، وذلك إذا كان المقول عن بعض الكفرة طويلا لا ينتهي نفس القارئ إلى آخر المقول، فيقف في بعض مواضعه بالضرورة، فيضطرّ إلى الابتداء بما بعده إذ لا فائدة حينئذ في العود إلى (قال) أو (قالوا) لأنه ينقطع نفسه في أثناء المقولة البتة وكلّ القول كفر كقوله تعالى في سورة المؤمنون: {وَقََالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقََاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنََاهُمْ فِي الْحَيََاةِ الدُّنْيََا مََا هََذََا إِلََّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [المؤمنون: الآية 33] إلى قوله: {وَمََا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ} [المؤمنون: الآية 38] فإنه قلّما يوجد قارئ ينتهي نفسه إلى آخر المقول هنا، وكلّ المقول كفر.