ولنشرع الآن في بيان معاني الصفات لغة واصطلاحا، وبيان عدد حروفها فنقول:
ومعناه لغة: الإعلان والإظهار، وفي القول: إعلاء الصوت به، واصطلاحا: انحباس جري النفس عند النطق بالحرف لقوّته وذلك من قوّة الاعتماد على مخرجه. وحروفه تسعة عشر حرفا جمعها بعضهم في كلمات وهي (عظم وزن قارئ ذي غض جدّ طلب) أي رجح ميزان قارئ ذي غض للبصر اجتهد في الطلب. قال المرعشي: وهذه الحروف لقوّتها في نفسها وقوة الاعتماد عليها في موضع خروجها لا تخرج إلا بصوت قوي شديد تمنع النفس من الجري معها، وبهذا الاعتبار سميت مجهورة، وهي ما عدا حروف الهمس الآتي ذكرها، وبعضها أقوى من بعض في الجهر على قدر ما في الحرف من صفات القوّة فالطاء أقوى من الدال، وإن اشتركتا في قوّة الجهر لانفراد الطاء بالإطباق والاستعلاء والتفخيم. وسيأتي بيان ذلك في محله.
الصفة الثانية: الهمس:
ومعناه لغة: الخفاء ومنه قوله تعالى: {فَلََا تَسْمَعُ إِلََّا هَمْسًا}
[طه: الآية 108] أي صوتا خفيّا، والمراد به في الآية حسّ مشي الأقدام إلى المحشر.
واصطلاحا: جريان النفس عند النطق بالحرف لضعفه، وذلك من ضعف الاعتماد على مخرجه. وحروفه عشرة يجمعها قولك (فحثه شخص سكت) ، وبعض هذه الحروف أضعف من بعض في الهمس فالصاد المهملة والخاء المعجمة أقوى من غيرهما لأن في الصاد إطباقا واستعلاء وصفيرا، وكلها من صفات القوّة، وفي الخاء استعلاء. والكاف والتاء المثناة فوق أقوى من باقي الحروف غير الصاد والخاء لما فيهما من الشدة، وهي من صفات القوة أيضا. وأضعف الحروف المهموسة: الهاء والفاء والحاء والثاء المثلثة إذ ليس فيهن صفة قوّة، بل أضعفها الهاء إذ في الفاء والحاء والثاء صفة الظهور الذي هو ضد الخفاء، وهو من صفات القوة، لكن لم يوضع له اسم في هذا الفن[اه.
مرعشي في حاشيته].
قال ابن الجزري في التمهيد: الحروف الخفيّة أربعة: الهاء، وحروف المدّ واللين سميت بالخفية لأنها تخفى في اللفظ إذا اندرجت بعد حرف قبلها، ولخفاء الهاء قوّوها بالصلة اه.
تنبيه:
اعلم أن جري النفس وعدم جريه عند تحريك الحرف أبين منهما عند إسكانه، ويمثّل للمجهورة بقق، وللمهموسة بكك فإنك تجد النفس في الأول محصورا وفي الثاني جاريا وإنما مثّلوا بهذين المثالين إيذانا بأن تباين القسمين إذا ظهر في الحرفين المتقاربين مخرجا وهما القاف والكاف كان ظهوره مع المتباعدين أكثر، وتحقيق الفرق هنا ما قاله الملا علي «أن نفس الحرف إن تكيّف كله بكيفية الصوت حتى حصل
صوت قوي كان الحرف مجهورا، وإن بقي بعضه بلا صوت يجري مع الحرف كان الحرف مهموسا» قال المرعشي: هذا الفرق إنما يتحقق في القراءة جهرا فالمراد من الصوت القوي الجهر، وقوله: «بلا صوت» يعني بلا صوت جهري يجري، مع مبدأ الحرف فإذا قلت (إذ) بالمعجمة ومددتها تجد نفسها كله متكيفا بصوت جهري وإذا قلت (اص) بالمهملة ومددتها تجد مبدأ نفسها متكيّفا بصوت جهري، وآخره خاليا عن ذلك الجهري، بل متكيّفا بصوت خفي، وقس عليهما فالصاد المهملة بعض صوتها مجهور وبعضه مهموس، لكن الاصطلاح وقع على أنها مهموسة، وكذا سائر حروف الهمس، وأما في القراءة سرّا فلا يتحقق هذا الفرق اه. ومعنى قوله: (فحثه شخص سكت) قال بعض شراح الجزرية: إن هذه الكلمات وقعت في مجلس بعض الملوك من بعض فصحاء العرب حيث قال البعض المذكور: كان فلان يتكلم كلام هجر فحثه شخص سكت.