{الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ} (12) [الطّور: الآية 12] والابتداء بقوله: {يَوْمَ يُدَعُّونَ}
[الطّور: الآية 13] لأنه لو وصل لصار {يَوْمَ} ظرفا لقوله: {يَلْعَبُونَ} . ومنه الوقف على قوله: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلََالٍ وَسُعُرٍ} (47) [القمر: الآية 47] والابتداء بقوله: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ} [القمر: الآية 48] لأنّ {يَوْمَ يُسْحَبُونَ} ليس بظرف لضلالتهم، وإنما هو ظرف لمحذوف أي يقال لهم ذوقوا مسّ سقر. ومنه الوقف على قوله: {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللََّهِ} [المنافقون: الآية 1] والابتداء بقوله: {وَاللََّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} [المنافقون: الآية 1] لأنه لو وصل لصار {وَاللََّهُ يَعْلَمُ} من مقول المنافقين. ومنه الوقف على قوله: {فَمَنْ شََاءَ ذَكَرَهُ} (12) [عبس: الآية 12] والابتداء بقوله: {فِي صُحُفٍ} [عبس: الآية 13] لأنه لو وصل صارت الصحف محلّ ذكر من شاء أن يذكر القرآن، وهو محال، بل التقدير: هو في صحف مكرمة. [اه. سجاوندي] .
اعلم أن الوقف الحسن هو الذي يحسن الوقف عليه، وفي الابتداء بما بعده خلاف لتعلّقه به من جهة اللفظ إذ كثيرا ما تكون آية تامة وهي متعلقة بما بعدها ككونها مستثنى والأخرى مستثنى منها لأن ما بعده مع ما قبله كلام واحد من جهة المعنى كما تقدم، أو كونها نعتا لما قبله، أو بدلا، أو حالا، أو توكيدا كما سيأتي بيانه. وسمي حسنا لأنه يفهم معنى يحسن السكوت عليه، ويكون رأس آية وغير رأس آية، فإن كان غير رأس آية حسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده، فيستحب لمن وقف عليه أن يبتدئ من الكلمة الموقوف عليها، فإن لم يفعل فلا إثم عليه كما ذكره المرعشي، وقال بجواز الابتداء بما بعده الشيخ ابن قاسم البقري في رسالته «غنية الطالبين» . وقال الشيخ خالد في شرحه على الجزرية: والمختار أن الوقف على التام والكافي والحسن جائز وكذا حكم الابتداء اه. وأما إن كان رأس آية نحو قوله: {الْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ الْعََالَمِينَ} (2) [الفاتحة:
الآية 2]و {الرَّحْمََنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: الآية 1] فوقفه حسن أيضا، ويحسن الابتداء بما بعده لكون الموقوف عليه من رءوس الآي، وهو على خلاف في أن الوقف على مثل ذلك أولى أو وصله بما بعده، وسيجيء تحقّقه. قال الملا علي في شرحه: ثم اعلم أن الوقف على رءوس الآي سنّة لما ذكره ابن ابن الجزري بروايته عن أبيه بسنده المتصل إلى أم سلمة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ قطّع آية آية يقول: {بِسْمِ اللََّهِ الرَّحْمََنِ الرَّحِيمِ} (1) ثم يقف، ثم يقول {الْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ الْعََالَمِينَ} (2) ثم يقف، ثم يقول: {الرَّحْمََنِ الرَّحِيمِ} (3) ثم يقف» . ثم قال:
ولهذا الحديث طرق كثيرة، وهو أصل في هذا الباب.
أقول: فظاهر هذا الحديث أن رءوس الآي يستحبّ الوقف عليها سواء وجد تعلق لفظيّ بما بعده أم لا، وهو الذي اختاره البيهقي، وقال أبو عمرو الداني: وهو أحبّ إليّ، لكنه خلاف ما ذهب إليه أرباب الوقوف كالسجاوندي وصاحب الخلاصة وغيرهما من أن رءوس الآي وغيرها في حكم واحد من جهة تعلق ما بعده بما قبله وعدم تعلقه يعني لفظا ولذا كتبوا (قف) و (لا) فوق بعض الفواصل كما كتبوا فوق غيرها.[اه.
باختصار].
وفي المرعشي: قال السيوطي: يحسن الابتداء بما بعد الموقوف عليه في الوقف التام والكافي، ولا يحسن في الوقف الحسن إلا أن يكون رأس آية، فإنه يحسن الابتداء
حينئذ بما بعد الموقوف عليه في اختيار أكثر أهل الأداء لمجيئه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في حديث أم سلمة رضي الله عنها: قال بعض الشارحين أي لحديث أم سلمة: هذا إذا كان ما بعده مفيدا لمعنى، وإلا فلا يحسن الابتداء به: كقوله تعالى في سورة البقرة: {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِي الدُّنْيََا وَالْآخِرَةِ} [الآيتان 219، 220] فإن {تَتَفَكَّرُونَ} رأس آية، لكن لا يفيد ما بعده معنى، فلا يحسن الابتداء به، ويستحب العود إلى ما قبله، وإنما قال السيوطي «في اختيار أكثر أهل الأداء» لأن الداني لم يحسّنه حيث صرّح في كتابه «المكتفى» بأن الابتداء ب {الرَّحْمََنِ الرَّحِيمِ} (3) [الفاتحة: الآية 3] وب {مََالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} (4) [الفاتحة: الآية 4] لا يحسن عند الوقف على ما قبلهما لأنه مجرور، والابتداء بالمجرور قبيح لأنه تابع له. اهـ. أقول: قبح الابتداء لا يخصّ بالمجرور، بل الابتداء بكل تابع قبيح عنده، وإنما ذكر المجرور لخصوص المقام، ولو قال لأنه تابع والابتداء بالتابع قبيح لكان أظهر. [اه. من حاشية المرعشي] .