وكذا قوله: {فَأَخََافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33) وَأَخِي هََارُونُ} [القصص: الآيتان 33، 34] إن وقف على ذلك لا يصح لأن موسى عليه السلام إنما خاف القتل على نفسه دون أخيه، وأخوه مستأنف بحاله وصفته.
وكذلك ما كان مثله وفي معناه نحو: {وَعَدَ اللََّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصََّالِحََاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيََاتِنََا} [المائدة: الآيتان 9، 10] و {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللََّهِ أَضَلَّ أَعْمََالَهُمْ (1) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصََّالِحََاتِ} [محمد: الآيتان 1، 2] . و {الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذََابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصََّالِحََاتِ} [فاطر: الآية 7] و {لِلَّذِينَ اسْتَجََابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى ََ وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ} [الرّعد: الآية 18] و {أَنَّهُمْ أَصْحََابُ النََّارِ (6) الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ} [غافر: الآيتان 6، 7] . و {مَنْ يَهْدِ اللََّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ}
[الكهف: الآية 17] و {فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا} [آل عمران: الآية 20] و {إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مََا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا} [الأنفال: الآية 38] و {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصََانِي} [إبراهيم: الآية 36] . و {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ} [إبراهيم: الآية 7] وشبه ذلك مما هو خارج عن حكم الأول من جهة المعنى لأنه متى قطع عليه دون ما يبين حقيقته ويوضح مراده لم يكن شيء أقبح منه لأنه سوّى بالوقف بين حال من آمن ومن كفر، وبين من اهتدى ومن ضلّ فهذا جليّ الفساد، وفيه بطلان الشريعة والخروج من الملة، فيلزم من انقطع نفسه على ذلك أن يرجع حتى يصل بعضه ببعض، أو يقطع على إحدى القصتين، أو على آخر القصة الثانية إن شاء، ومن لم يفعل ذلك فقد أثم واعتدى وجهل وافترى.
وقد صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى الخطيب لمّا قال: «من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما» ووقف، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «قم بئس خطيب القوم أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى» . قال أبو عمرو: ففي الخبر دليل واضح على كراهة القطع على المستبشع من اللفظ المتعلّق بما يبين حقيقته ويدل على المراد منه لأنه صلى الله عليه وسلم إنما أقام الخطيب لمّا قطع على ما يقبح إذ جمع بقطعه بين حال من أطاع ومن عصى، ولم يفصل بين ذلك، وإنما كان ينبغي له أن يقف على قوله: «فقد رشد» ، ثم يستأنف: «ومن يعصهما فقد غوى» ، أو يصل كلامه إلى آخره. وإذا كان مثل هذا مكروها مستقبحا في الكلام الجاري بين الناس، فهو في كلام الله أشدّ كراهة وقبحا، وتجنّبه أولى وأحقّ.
[اه. من المكتفى لأبي عمرو] .
اعلم أن وقف التعسف قد ذكره صاحب الثغر الباسم نقلا عن ابن الجزري في النشر فقال: ليس كل ما يتعسفه بعض المعربين، أو يتكلفه بعض القراء، أو يتأوله
بعض أهل الأهواء مما يقتضي وقفا أو ابتداء، ينبغي أن لا يتعمّد الوقف عليه، بل ينبغي تحرّي المعنى الأتمّ والوقف الأوجه. فمن ذلك الوقف على قوله: {أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} [البقرة: الآية 6] والابتداء ب هم {لََا يُؤْمِنُونَ} (6) [البقرة: الآية 6] على أنها جملة من مبتدأ وخبر. ومنه الوقف على قوله: {وَارْحَمْنََا أَنْتَ} [البقرة: الآية 286] والابتداء ب {مَوْلََانََا فَانْصُرْنََا} [البقرة: الآية 286] على معنى النداء. ونحو الوقف على {ثُمَّ جََاؤُكَ يَحْلِفُونَ} [النّساء: الآية 62] ثم الابتداء {بِاللََّهِ إِنْ أَرَدْنََا} [النّساء: الآية 62] .